المتقاعد السعودي آخر الشهر | جاسر الحربش | الجزيرة

10 الثلاثاء 2013

كان الخليفة الرابع علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- يتفقد الصدقات عندما شاهد رجلا ً أدق الجوع ساقيه وأنحل أضلاعه، متكئا على عصا ويتأمل في الأنعام والأرزاق التي أمامه، عندما سأله الخليفة عن أحواله أجابه الرجل بهذين البيتين:

لم يبق عندي ما يبــاع بدرهــم

تنبيك حالة مظهرٍ عن مخبرِ

إلا بقيـــة ما وجــــه صنتــه

عن أن يباع وقـد أبحتــك فاشــترِ

بقية القصة موجودة في كتب التراث.

تكمن العبرة من وصف الرجل لحاله في أنها تنطبق كثيرا على أحوال بعض المتقاعدين السعوديين في عصرنا، عصر الثروة النفطية.

قال لي أحد المتقاعدين ذات يوم: إن شعوره يشبه شعور من خرج ولم يعد، أو من قيل له اخرج ولا تعد، فسألته كيف؟.

قال : عندما أنهيت إجراءات تسليم العهدة وودعت زملائي ووصلت باب الخروج إلى الشارع، شعرت كأنني بدأت أتأرجح في فراغ هائل وليس حولي شيء أتشبث به. أدركت وأنا عند الباب أن حياتي العملية، بمعنى الحاجة إلي قد انتهت، وأن المكافأة التي كنت أستلمها آخر الشهر وكانت لا تكاد بالكاد تكفي سوف تنقص، وأن قدراتي على المنافسة في السوق لتحسين دخلي صفر تقريباً، لكن الالتزامات المعيشية لي ولعائلتي، من إيجار وفواتير ومستهلكات هي هي، بل وفي ارتفاع مستمر مع اندفاع عجلة الأسعار في السوق التي هي أصلا بلا كوابح. اغتنمت فرصة توقفه لتنهيدة عميقة فسألت: هل إلى هذا الحد لا يكفي معاشك التقاعدي؟. حدق في وجهي قائلاً: الله بس يهديك، يعني أنت تجهل هذا الشيء؟. عبر سنوات الخدمة كم مرة تعتقد أن راتبي الشهري قد تضاعف؟ ولا مرة. هناك علاوات الخدمة المدنية المحسوبة بالهللة وترقيات الصدف المحضة حسب الشواغر، لكن الأسعار، هل تدري كم مرة تضاعفت خلال هذه السنوات، سوف أقول لك. الإيجار الذي كان يكلف خمسة آلاف عند بداية تعييني أصبح خمسون ألفاًً، والسيارة التي كانت بثلاثين ألف أصبحت بمئة ألف، وعلبة الحليب المجفف كانت بسبعة ريالات فأصبحت بسبعين، هذا غير ملابس البنات والأحذية والفواتير وكيلو اللحم الذي وصل سعره إلى أربعين ريال، وباقي الحساب عليك.

نظرت إلى الرجل وقد جف حلقي خجلاً فرأيت أصابعه ترتجف تحت تأثير مزيج متفجر من الغضب والإحباط واحتقار المجتمع الذي يقبل لكباره هذه النهايات بعد أن تفنى أعمارهم في خدمات القطاع العام.

لاحقاً رجعت إلى بعض المعلومات المتعلقة بأحوال المتقاعدين في المملكة العربية السعودية ووجدت التالي:

أربعة وستون بالمئة منهم تقل معاشاتهم التقاعدية عن أربعة آلاف ريال. واحد وثلاثون في المئة تقل معاشاتهم عن ألفي ريال. السبب هو ضعف المرتبات الحكومية الأصلية من الأساس، مقارنة بالثروات الوطنية الكبيرة وبالمرتبات والامتيازات التي تدفعها البنوك والشركات الكبرى للعاملين فيها.

قلت لنفسي لماذا لا أحتسب وأقدم في هذا المقال جردة حساب عن أحوال المتقاعد السعودي، لعل الله ينفع بها المتقاعدين ومن يعولون.

1 – غالبية المنتمين للسلم الوظيفي المدني عندنا من ذوي المعاشات المتدنية، أي من صغار الموظفين، وهذا يعني أن أغلب المتقاعدين ينتمون إلى هذه الفئة ذات الرواتب المتدنية بالأساس.

2 – بعد التقاعد ينقص الراتب الأساسي بحيث يصبح واحدا وثلاثين بالمئة من المتقاعدين يعتاشون مع عوائلهم على ألفي ريال وأقل، وأكثر من ستين بالمئة على أقل من أربعة آلاف ريال.

3 – العلاوات السنوية التي كانت تعطى للموظف قبل تقاعده تتوقف حسب النظام بطريقة خرج ولم يعد ودبر حالك وما علينا منك.

4 – علاقة المتقاعد بالمجتمع تتقلص وتنكمش حول أسرته وبعض المعارف، لأنه لا توجد للمتقاعدين مؤسسات أو نوادي ترفيهية أو تأهيلية أو أي شيء من هذا القبيل.

5 – رغم التقدم في السن ونقص الدخل وضعف الصحة يظل المتقاعد عرضة مثل الآخرين لارتفاع الأسعار والإيجارات والالتزام بالطوابير الطويلة قبل المعاينات الطبية وبقوائم الانتظار للحصول على سرير في أحد المستشفيات.

الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمر للرجل المذكور في بداية المقال بجراية من بيت مال المسلمين لحفظ ماء وجهه كحق له على الدولة والمجتمع، والدور الآن على من يهمه حفظ ماء وجه المواطن.


التعليقات

التعليقات مغلقة.