انتخابات «جمعية المتقاعدين» .. الضرب تحت الحزام

11 الخميس 2013

علي الجحلي

عندما قرّر الأمريكيون عزل رئيسهم للمرة الأولى في السبعينيات من القرن الماضي، كان السبب الرئيس لذلك هو ممارسته سلوكاً غير سوي في سباق الانتخابات الرئاسية. تجسّس ريتشارد نيكسون على منافسيه في أكبر قضية عاشها المشهد السياسي الأمريكي، مستخدماً صلاحيته كرئيس للدولة وقدرات موظفي مكتبه المخلصين. اعتبر المشرعون الأمريكيون ذلك السلوك خيانة للديمقراطية واستخداماً لوسائل غير مشروعة للتعرُّف على نيّات المنافسين ومخططاتهم، وبالتالي إنهاء مفهوم المنافسة الشريفة التي تعطي كل فريق القدر نفسه من الفرص للفوز بالانتخابات.

حاول العرب أن يُوجدوا حالة من الديمقراطية في بعض مكونات المشهد غير السياسي، كالجمعيات الخيرية، والجمعيات المهنية، وجمعيات النفع العام.. لكنهم ما لبثوا أن أصيبوا بلوثة السياسة العربية التي تؤمن بأن الديمقراطية هي التي تخرج منتجاً يتوافق في فكره وقراراته مع ما يريده حزب أو فصيل سياسي معين، لنكتشف أن جمعيات سائقي النقل تنضوي تحت لواء فصيل سياسي، وجمعية المحامين تحت فصيل آخر، وهكذا.

يشهد السجال الانتخابي في المملكة العيوب والعلل نفسها التي تعانيها الديمقراطية العربية المشلولة أخلاقياً. يتم شراء الأصوات بأموال مشبوهة. يعمل المرشحون على إفساد كل عملية بالاعتراضات الوهمية، وتنتهي فترات مجالس وتنتخب أخرى، ويبدأ التقاضي بين السابق واللاحق على ملكية المكاتب وبند السفريات، ويبدأ جدل حول أخلاق كل إدارة ونزاهتها حتى يحين موعد الانتخابات الجديدة، لتبدأ فصول هزلية جديدة من التشكيك وشراء الأصوات واحتقار فكر الناخب وقراره.

ليس المجال متسعاً لمناقشة كل العيوب الانتخابية التي نشاهدها في أغلب الانتخابات سواء في الغرف التجارية الصناعية أو الجمعيات المهنية. كل هذا أصبح جزءاً من المشهد الانتخابي في المملكة؛ وأسوأ منه ما شهدته انتخابات المجالس البلدية من تكتلات قبلية ومناطقية ومذهبية شاهدنا ضررها على دول مجاورة.

يتكرّر المشهد اليوم – للمرة الأولى – في مقدمات حملة انتخابات مجلس إدارة الجمعية الوطنية للمتقاعدين، اتهامات للمجلس الحالي ورئيسه الذي يعد رمزاً وطنياً قدّم الكثير إبّان قيادته القوات الجوية الملكية السعودية، ومن ثم انتقل للخدمة العامة بالحماس نفسه والحرص والحس الوطني. الإساءة لرجال يعملون ويعطون من وقتهم وعمرهم دون مقابل، أمرٌ لا يمكن قبوله من أشخاص وصلوا إلى هذا المستوى من العلم وهذا العمر من العمل والعطاء.

تأكد لي أن المعركة الانتخابية متجهة نحو نفق يبعدها عن أساسيات الديمقراطية عندما تنافس المرشحون في دفع مبالغ لأحد الفروع بعد مقدمات عصماء عن نيّاتهم وما سيحققونه من تطوير للجمعية. بدأ آخرون في بناء مفهوم الإقصاء والتفرقة بين مكونات الجمعية. شاع بعد ذلك نشر مفهوم أظنه يسيء إلى الجمعية نفسها، وهو البحث عن النخبوية في الجمعية ومحاولة إقصاء مَن لم يشغل منصباً كبيراً في الدولة أو يكوِّن ثروة كبيرة بغض النظر عن مصدرها وكيفية ربطها بالجمعية.

بدأت محاولات هز صورة المجلس الحالي، رغم ما حققه بدءاً برئيسه. ثم انتقلت إلى محاولة التأثير في الرأي العام من خلال الكتابة في الصحف بإسهاب عن مثالب المجلس والإساءة لكل عمل أو إنجاز، ثم ظهرت موضة التفرقة بين العسكريين والمدنيين، وكأن المساهمة كانت لقوم على حساب آخرين. ظهرت مانشيتات عريضة تتهم مجلس الإدارة بـ ”العسكرة”، وهو لفظ كان الأحرى بالصحف أن تتجنبه لأسباب أهمها أن الوطن وحدة واحدة، وأن المتقاعدين هم من مختلف الفئات، وأن الجميع مدنيون اليوم بعد التقاعد، إضافة إلى ما يحمله اللفظ من إهانة لقطاع كبير من المواطنين الذين يقدمون أرواحهم كل يوم فداء للوطن.

لكن الطامة جاءت عندما نشرت صحيفة ”الحياة” تقريراً في عدد يوم الجمعة 5 المحرم 1435هـ، يدعي فيه مراسلها أن عشرة من رؤساء الفروع التسعة عشر اتهموا رئيس مجلس الإدارة بأنه لا يفهم ثقافة العمل المدني، وكذّبوا تصريحه عن رصد مخالفات انتخابية، منها شراء الأصوات في انتخابات الفروع – من خلال دفع رسوم العضوية لأشخاص لأغراض انتخابية.

ذكر الصحافي أسماء تسعة من مديري الفروع الذين تبنوا ذلك البيان المفصّل حول الجمعية الذي تطاول على رئيس مجلس الإدارة. اعترض عدد من المديرين على ما جاء في الخبر، وصل عدد المعترضين إلى سبعة من التسعة، وأكدوا أنهم لن يتنازلوا عن حقوقهم المادية والأدبية تجاه الصحافي الذي ”زوّر” هذه المعلومات بأسمائهم.

إن لم يعاقب مَن تبنوا هذا الأسلوب الرخيص الذي بدأ بالتخوين والإهانة، ويمنعوا من المنافسة من قِبل الجمعية العمومية، فستكون الجمعية مسرحاً للتنافس غير الأخلاقي والاتهامات السوقية في الجولات الانتخابية القادمة. وعلى مجلس الإدارة أن يقاضي الصحافي ويطالب الجمعية العمومية بمنع ترشيح مَن يثبت تورُّطهم في هذه المسرحية السمجة.

لقرأة المقالة من موقع الصحيفة اضغط هنا


التعليقات

التعليقات مغلقة.