حقوق العسكريين المتقاعدين ووزارة المالية

11 الخميس 2013

5426ced639e217a9324fbc3007061f41_w82_h103
محمد بن سعود الجذلاني

العسكريون بجميع فئاتهم، ومختلف رتبهم، وتنوع اختصاصاتهم، من أبناء الوطن، هم العدة ليوم الحاجة، وبهم الأمل وفيهم الثقة بعد الله عز وجل. وفي نفس الوقت هم محل العناية والتقدير، والحرص الكبير، من خادم الحرمين الشريفين “أيده الله” القائد الأعلى لهم، ومن سمو ولي عهده الأمير سلمان “حفظه الله” ومن كل مسؤول مخلص لهذا الوطن، غيور على أمنه واستقراره.

هذه مقدمة لا أظن منصفاً يخالفني عليها، فلست بحاجة للاستطراد فيها.
ومن أهمية ومكانة هذه الفئة العزيزة علينا جميعاً، تأتي أهمية موضوعي اليوم.

هذا الموضوع الذي أرجو أن ينال العناية اللائقة به من كل صاحب صلاحية، ومسؤول مشارك في صنع القرار.

إنه موضوع حقوق العسكريين المتقاعدين. وتناولي لهذا الموضوع يأتي لاعتبارات كثيرة أهمها وأولها حبي لوطني، الذي لا أستطيع فصله عن حبي لنفسي ولأولادي ولأهلي.

وحقوق العسكريين المتقاعدين كثيرة، وأرجو بإذن الله أن تكون كلها محفوظة مصانة، وليست محل نقاش أو إشكال؛ إلا في جزء منها، أصبح مصدر إشغال للقضاء، وإزعاج وتكدير لنفوس الكثير من العسكريين المتقاعدين الذين يضطرون للجوء إلى القضاء للمطالبة بتلك الحقوق.

وقد تكون معلومةً جديدةً على كثير من القراء، إذا ماعرفوا أن الدعاوى المنظورة حالياً في ديوان المظالم، المتعلقة بمطالبة العسكريين المتقاعدين بتلك الحقوق، تفوق آلاف القضايا. وأنه في الدائرة القضائية الفرعية المكونة من قاض واحد، يوجد عدد يفوق الألف قضية، فقط من هذا النوع من القضايا، فكيف بأنواع القضايا الأخرى؟!

وليس الإشكال الوحيد في هذا العدد الضخم من القضايا التي أثقلت كاهل القضاء، وأصبح مشغولاً بها عن التفرغ لغيرها من النزاعات، التي قد تحتاج في الفصل فيها إلى القضاء، بخلاف حقوق العسكريين التي يكفي الالتزام بصحيح النصوص النظامية لحماية هذه الحقوق، وعدم الحاجة فيها إلى أحكام قضائية؛ بل إن الإشكال الأهم هو في ما يحصل في هذه الحقوق من ممانعة وتعنت من قبل وزارة المالية، حال بين هؤلاء المتقاعدين وبين حقوقهم، وأحدث في نفوسهم الكثير من مشاعر الإحباط والشعور بالظلم.

وفي هذا المقال سأحاول استعراض هذه المشكلة من ناحية قانونية بحتة، وبطريقة موجزة، سعياً لإيصال صوت الآلاف من إخواننا العسكريين، سواء أكانوا المتقاعدين الذين يواجهون هذه المشكلة، أم من هم على رأس العمل ممن سيواجهونها بمجرد تقاعدهم.

لقد نصت المادة (122) من نظام خدمة الضباط الصادر بالمرسوم الملكي رقم (43) في 28/8/1393ه والمعدلة بموجب المرسوم الملكي رقم (37) في 28/4/1428ه على أن : ” الضابط يعوض عن إجازاته الاعتيادية المتراكمة بعد انتهاء خدمته على أساس آخر راتب تقاضاه، مع جميع العلاوات والبدلات – عدا بدل التمثيل -.. ” كما نصت المادة (154) منه على أنه : ” يصرف للضابط ما يعادل راتبه الفعلي لثلاثة أشهر، في الحالات الآتية :.. 2/ الإحالة على التقاعد لبلوغه السن النظامية.. ”

وفي نظام خدمة الأفراد، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (9) في 24/3/1397ه نصت المادة (26) فقرة (ب/2/ب) المعدلة بالمرسوم الملكي رقم (37) في 28/4/1428ه على أن الفرد: ” يعوض عن إجازاته السنوية المتراكمة بعد انتهاء خدمته.. على أساس آخر راتب تقاضاه، مع العلاوات والبدلات – عدا بدل التمثيل -.. ” ونصت المادة (26/أ) منه على أنه: “يصرف للفرد عند انتهاء خدمته لسبب غير تأديبي، أو عند فصله بسبب الغياب، ما يعادل راتبه الفعلي لثلاثة أشهر..”

وتكمن المشكلة أنه عند تقاعد العسكري، ضابطاً كان أو فرداً، ترفض وزارة المالية أن يحتسب لهم بعض البدلات التي كانوا يحصلون عليها مع رواتبهم قبل التقاعد، لحجج ومبررات لا تتفق مع النص النظامي الصريح المشار إليه. ما اضطر الآف المتقاعدين إلى اللجوء لديوان المظالم للمطالبة بهذه الحقوق، وصدرت لهم آلاف الأحكام القضائية التي تثبت أحقيتهم بهذه البدلات التي يطالبون بها، إلا أن هذه الأحكام بقيت دون تنفيذ !!.

واللافت في الأمر أنه في كل الدعاوى المقامة، كانت إجابة القطاعات العسكرية التي يتبع لها هؤلاء العسكريون، أنه لا مانع لديهم من احتساب هذه البدلات، إلا أن وزارة المالية ترفض ذلك!! ثم إذا صدرت الأحكام كانت كثير من القطاعات العسكرية لا تعترض على الحكم، مما يؤكد بوضوح أن الجهة التي يتبع لها العسكري، تتفق مع القضاء على أن ذلك حق من حقوقه، لكن كان الإشكال في وزارة المالية !!.

وحين تزايدت أعداد الأحكام القضائية التي تصدر لصالح هؤلاء العسكريين، وأصبح ذلك يشكل حرجاً على وزارة المالية وضغطاً عليها، سعت لاستصدار قرار من مجلس الوزراء يدعم وجهة نظرها، فصدر قرار مجلس الوزراء رقم (195) في 16/6/1433ه متضمناً: أن البدلات والعلاوات التي تضاف إلى الراتب الأساس للضابط والفرد، عند تعويضهما عن إجازاتهما بعد نهاية الخدمة، مقصورة على البدلات والعلاوات الناشئة بموجب نظام خدمة الضباط ونظام خدمة الأفراد، وتعديلاتهما..”

وبالتالي فإن التفسير القانوني الصحيح لهذا القرار، هو أنه جاء مؤيداً لاجتهاد قضاء ديوان المظالم السابق، وأنه يجب احتساب البدلات التي يطالب بها العسكريون عند تعويضهم، والتي من أهمها علاوة مكافحة الإرهاب.

وقد أكدت أحكام ديوان المظالم السابقة على هذا القرار، أن الأمر الملكي الكريم رقم (90) في 7/3/1425ه نص على إحداث علاوة بمسمى (علاوة مكافحة الإرهاب) بنسبة 25% من الراتب.. وقد جاء في ديباجة الأمر الملكي أنه صدر بعد الاطلاع على نظام خدمة الضباط ونظام خدمة الأفراد، ما يثبت أن إحداث هذه العلاوة، كان تعديلاً للنظامين المذكورين، فينطبق عليه وصف قرار مجلس الوزراء آنف الذكر، وتكون هذه العلاوة مستحقة للعسكري عند تقاعده وتحتسب لأغراض تعويضه عن إجازاته وعن مكافأة نهاية الخدمة. ويلحظ هنا أن قرار مجلس الوزراء المذكور اقتصر على الحديث عن التعويض عن الإجازات ولم يتناول مكافأة نهاية الخدمة.

إلا أنه برغم صراحة ووضوح قرار مجلس الوزراء، وأنه لا يحتمل أي تفسير آخر غير ما سبق، فقد تراجعت الأحكام القضائية الأخيرة الصادرة في هذه المواضيع عما سبق تقريره من اجتهاد، وأصبحت تصدر باستبعاد احتساب علاوة مكافحة الإرهاب، بناءً على قرار صادر عن الدوائر المختصة باستئناف الأحكام الخاصة بهذه الدعاوى.

ولعل ضغط وزارة المالية كان هو السبب وراء هذا القرار.

ولكن يبقى أنه لا يجب التهاون بالتطبيق الصحيح للنظام، وأنه لا يجوز إغفال ما لهذا التعنت من أثر سيئ على نفوس العسكريين، الذين قد يذهب بهم الظن أن ذلك التصرف يعتبر نكراناً لجهودهم وإخلاصهم، وأنه لا يتفق مع حق الوفاء والتكريم الذي يجب أن يكفل لهم، سيما وأن بعضهم قضى ما يفوق ثلاثين سنةً في الخدمة، وأن البعض الآخر وصلوا إلى أعلى الرتب العسكرية، وأن بعضهم أفراد رواتبهم متدنية، وتشكل هذه النسبة من الراتب فرقاً كبيراً بالنسبة لهم، يساعدهم على ظروف الحياة. مع ما لذلك من أثر سيئ أيضاً على زملائهم الذين هم على رأس العمل، ويرون أن هذا ما سيحدث معهم.

كل هذه الاعتبارات، تدفعني لطرح هذه المشكلة، وكلي أمل أن تجد لها باباً مفتوحاً يتفهم هذا الأمر، ويتدخل لتصحيح الوضع الخاطئ، ويعيد الحق إلى نصابه، وفقاً لما قرره الاجتهاد القضائي السابق بوضوح.

ثم لا يفوتني هنا التأكيد، على أنه يعتبر وضعاً غير مستقيم، إلجاء الموظفين من مدنيين وعسكريين إلى رفع دعاوى تصل إلى الآلاف، للحصول على حقوق مقررة بموجب نصوص نظامية، إذ لو افترضنا أن هناك شبهةً في فهم وتفسير النص النظامي، لكان صدور حكم أو بضعة أحكام قضائية نهائية، كافياً لتقرير هذا الحق، وتفسير النص، وإزالة الاشتباه عنه، وكان واجب الجهات الحكومية تطبيق الاجتهاد القضائي على كل الحالات المماثلة، دون الحاجة إلى إشغال القضاء، وإغراقه بدعاوى معلومة نتيجتها، وليست سوى نسخة عن بعضها.

هذه خواطر يبعثها النصح والحب لوطني، آمل أن تجد من هو أنصح مني وأكثر حباً لهذا الوطن الذي يستحق منا الكثير.

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وهو رب العرش الكريم سبحانه.

لقرأة المقال من موقع الصحيفة ومشاهدة التعليقات اضغط هنا


التعليقات

التعليقات مغلقة.