التقاعد مرحلة جديدة في العمر|محمد عبده يماني

11 الخميس 2013

محمد عبده يماني

ينظر بعض العقلاء بعمق إلى مرحلة التقاعد للرجال والنساء بأنها مرحلة هامة ينتقل فيها الناس من ضجيج الحركة حولهم إلى راحة وصمت وخلوة تقلق البعض وتخيفهم، وتشعرهم بالوحدة، أما البعض الآخر فإنه ينتصر على كل هذه العوامل، ويقدم على مرحلة التقاعد على انها مرحلة جديدة ومثمرة في حياته، وأنه يستطيع أن يستمتع بها مع أهله وولده وأصدقائه وممن حوله من الذين حرمتهم الوظيفة من الإستمتاع بقضاء الوقت معه، لذلك فإنه يستغل هذا الفراغ للتواصل معهم وتعويض ما فاته، ولكن في الوقت نفسه يدرك أن هناك طاقات باقية لديه يمكنه إستغلالها والإستفادة منها وتوظيفها في خدمة المجتمع، وكذلك كمرحلة جديدة يستغلها لتوفر له دخلا إضافيا، وعملا يشغله ويبعده عن الوحدة، ويقضي على الفراغ الذي لديه، سواء كان مدرسا أو مدرسة، موظفا أو موظفة، فيبدأ من اللحظة التي يحال فيها إلى التقاعد بالإتصال بالجهات الخيرية التي تحتاج إلى عمله، ويعرض نفسه عليها، وكذلك تفعل المربية أو الموظفة، فتشغل وقتها، وتفيد المجتمع، وتكسب المثوبة، وتساهم مساهمة فعالة في تقديم خدمة وطنية تثاب عليها، ويثاب عليها من ينهج هذا المنهج.
والحق أن من واجب الجهات الحكومية ذات العلاقة بالمجتمعات الإسلامية الخارجية أن تمد يدها إلى هذه الكفاءات الوطنية من النساء والرجال، وتستفيد منهم ضمن ما تبعثه من دعم وبعثات إلى أنحاء العالم الإسلامي، فتفيدهم وتستفيد منهم. كذلك الأمر بالنسبة لجهات الدعوة والارشاد مثل: رابطة العالم الإسلامي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي وهيئة الاغاثة الإسلامية التي تحتاج للإستفادة من هذه الكفاءات التي أحيلت إلى التقاعد، فتأخذ بيدها، وتقوم بارسالها للتدريس أو للدعوة أو للمعونات الفنية للمهندسين وغيرهم، فتبعثهم إلى مناطق الأقليات المسلمية التي هي في أمس الحاجة إلى مثل هذه الكفاءات، كما تفعل معنا الدول الكبرى التي تبعث إلينا الرجال والنساء الذين أحيلوا إلى التقاعد كخبراء ليعملوا لدينا، وهذه خطوات فعالة للإستفادة من الرجال والنساء الذين يحالون إلى التقاعد.
ولهذا فإنني ممن يعتقد بأهمية مرحلة التقاعد، وأنها مرحلة من الممكن أن تكون مثمرة وفاعلة ومفيدة، ولا يكتفي الفرد فيها بمسألة المخصصات أو التأمينات العابرة خاصة إذا علمنا أن بعض الناس من الرجال والنساء عندما يحالون إلى التقاعد يكونون في ذروة الإنتاجية، والمتقاعد يستطيع إذا حافظ على صحته وقدراته وممارساته الرياضية أو يواصل الإنتاج، وأن لا يشعر بالملل.
كما أن على المجتمع أن يهتم بهذه الفئة من المواطنين، فيعمل على إجراء تغييرات في أسلوب حياتهم، ويساعدهم على قضاء أوقات الفراغ بصورة مريحة ومنتجة، ويفتح النوادي للرجال والنساء للإتصال ببعضهم البعض، والبعد عن الإنعزال. وعندما نقول الإستفادة من المتقاعدين كما ذكرت فان المقصود هو عونهم وإعانتهم على شغل أوقات الفراغ ولو برواتب رمزية.
ولقد سررت بدراسة قدمها الأستاذ عبد العزيز بن علي الغريب عن مرحلة التقاعد، والذي ذكر أن كل المتقاعدين الذين أجرى عليهم دراسة إحصائية اتضح أن لديهم الرغبة في ممارسة الأنشطة بعد التقاعد والإستمرار في القيام بأدوارهم السابقة أو بأدوار بديلة عوضا عنها.
وعادة ما تكون مرحلة التقاعد ذات تأثير سلبي على الفرد الذي كان يشغل وقته بالعمل ومن هنا فإن التقاعد يأتي مفاجئا وسريعا على حياة الفرد إذ إنه بحلوله تنقطع أنماط السلوك والعادات التي درج عليها عشرات السنين فتكون الآثار السلبية أشد مما نتصور سواء من النواحي الصحية والإجتماعية والنفسية، وقد تكون أيضا هذه المرحلة شديدة الإيلام للنفس خاصة لشخص كانت حياته مليئة بالنشاط والحيوية، حينما يجد الشخص نفسه يعيش في فراغ كبير ويتساوى في ذلك المتقاعدون الذين كانوا يشغلون وظائف إدارية عليا أو عادية نتيجة لعدم القدرة على إستغلال خبراتهم في مجالات أخرى بعد التقاعد (السليمان، 993 أم: 96). وللدلالة على تأثير وقت الفراغ على المتقاعدين توصلت إحدى الدراسات إلى أن هناك العديد من المشكلات النفسية التي يعانى منها المتقاعدون ومن أهمها الشعور باكتئاب الشيخوخة لشعورهم بالعزلة والخوف من المرض أو الموت أو التعرض للفقر نتيجة وقت الفراغ الناجم عن التقاعد مما قد يدفع (البعض) للإنتحار(محمود، 993 أم، 114).
لذلك فإن إدماج المتقاعدين في أنشطة المجتمع بدلا من عزلهم، والعمل على إيجاد أدوار بديلة عن تلك التي فقدت نتيجة للتقدم في العمر والتقاعد يمكن أن يؤدي إلى تدعيم بقية الخدمات بحيث يؤثر ذلك، ويؤمن لهم الحياة ولو بنفس قدر المعاش، المهم أن يشعر المتقاعد بحاجة المجتمع له وبأن له وظيفة ينفع بها نفسه والمجتمع (قناوي، 1987 أم: 156).
ومن هنا ظهرت بعض الآراء في السنوات الأخيرة تنادي بضرورة إتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة من أجل الإستخدام الأدمى لخبرة المتقاعدين وضرورة الإستفادة من أعدادهم المتزايدة في دعم برامج التنمية.
ولا شك أن أوقات الفراغ تزداد حدتها لدى المتقاعدين عند عدم توافر المؤسسات الإجتماعية الخاصة بالمتقاعدين كغيرهم هن فئات المجتمع، كما أن النظرة غير الإيجابية نحو المتقاعدين من فبل فئات المجتمع الأخرى وإعتبارهم فئات غير منتجة عفي عليها الزمن تجعل المتقاعدين يتراجعون كثيرا عن ممارسة الأنشطة التى يشغلون بها وقت فراغهم، لذلك فإن توافر مثل هذه المؤسسات وتقدير المتقاعدين من قبل فئات المجتمع المختلفة قد يسهم في القضاء على مشكلة وقت الفراغ لديهم والعيش في هذه المرحلة بدونأو ملل شقاء) .
والحقيقة أن نظرة جديدة يجب أن تتم نحو التقاعد والمتقاعدين ومن المقترحات التي طرح في هذا المجال: • إنشاء النوادي والجمعيات التي تتيح أن يرتادها ويقضي فيها أوقات الترفيه والعلاقات الاجتماعية.• جعل المكتبات العامة في متناول هذه الفئة وتوفير وصولهم إليها والعمل على الاستفادة من بعض هؤلاء المتقاعدين والذين أحيلوا في سن مبكرة ولديهم القدرة على العطاء.• العناية بالناحية الإعلامية فهذه الفئة وتعليمها كيف يمكن أن تستفيد من أوقات فراغها وأن بعضهم يخرج ويكون خروجه فجائيا كما ذكرنا دون تخطيط ويحتاج إلى من يعينه على استيعاب هذه الفترة.
لا بد أن نعلم المجتمع ولو بصورة متدرجة كيف يحترم هذه الفئة وأن يعنى بها وأنه من الجفاء أن لا ندعوهم للمناسبات المختلفة وأن نساعدهم على إنجاز قضاياهم وخاصة عندما يكونون خارج العمل ويجدوا مشاكل كبيرة وفي بعض الأحيان مشاكل روتينية ولا أحد يعينهم على تذليل هذه المشاكل ولا شك أن من أهم هذه الأمور التوسع في إنشاء مراكز وأندية للمتقاعدين.
ومما سرني من إقتراحات الدكتور عبد العزيز تركيزه على أن ندخل في مناهجنا الدراسية في مراحل التعليم المختلفة شيئا من أدبيات التقاعد كما سماها والإهتمام بالشيخوخة والإيجابيات والسلبيات وهذه ناحية مهمة.
وختاما فأنا أعتقد أن مرحلة التقاعد وشئون المتقاعدين وقضايا المتقاعدين تحتاج إلى نظرة جادة من وزارة العمل والشئون الإجتماعية ورعاية هذه الفئة والعناية بها ومن الممكن مساهمة القطاع الخاص متى إستوعب هذه العملية بصورة إيجابية.


التعليقات

التعليقات مغلقة.