ماذا بعد التقاعد؟

11 الخميس 2013

نحن بحاجة لمراجعة ما يتعلق بأنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية لكبار السن اليوم، لأن كبار السن هؤلاء يشكلون النسبة الأصغر في بلادنا

علاناجي مستشار قانوني

في منتصف السبعين من العمر، كان يحدثني وملء حديثه الحزن والقلق عن خوفه من متطلبات العلاج ومراجعة المستشفيات في المستقبل القريب، قلت له أنت ما شاء الله أنموذج للمحافظة على صحتك وما زلت ترفل في صحة وعافية بحمد الله فلم الخوف؟ قال ابني الأكبر سيتقاعد قريبا من عمله في المنطقة الشرقية، وبالتالي سنفقد ميزة العلاج التي توفرها شركته العالمية الكبرى لوالدي منسوبيها، وليس هنالك شركة تأمين أهلية تقبل التأمين على كبار السن بغض النظر عن حالتهم الصحية.
استرسل بعدها هذا السبعيني المبارك يسترجع الذكريات.. يقول: خدمت الدولة ما يقارب الأربعين عاما قبل أن أتقاعد، وكنت عند تقاعدي في منصب دبلوماسي محترم، أوصلني إليه حب هذا الوطن والتفاني في سبيله، فالدبلوماسي جندي مرابط في سبيل وطنه مثله تماما مثل الجندي في الميدان، معرض لكل ما يمكن أن تتصوره من إشكاليات ومخاطر بما فيها القتل والاختطاف.
يقول فجأة وبمجرد أن تقاعدت تحولت من جندي مجهول من باب إيثار الوطن على الذات إلى جندي مجهول من باب أن غاية ما أحصل عليه هو راتبي التقاعدي، الذي ما زال على حاله منذ أن تقاعدت دون بدلات، فيما عدا الزيادتين الأخيرتين، وقال أحمد الله أنني حين تقاعدت بدأت عملا خاصا يدر علي شيئا من الدخل بجانب راتبي التقاعدي الذي يقل عن العشرة آلاف ريال قليلا، وإن لدي سكني الخاص الذي أملكه.
ومضى هذا الفاضل في حديثه دون أن أقاطعه وهو يقول: “عندما نصل إلى سن التقاعد فإننا في الغالب قد وصلنا أيضا إلى السن الذي نحتاج فيه مزيدا من الصيانة الصحية والعناية الطبية وزيادة احتمال مراجعتنا للمستشفيات ما بين وقاية وعلاج، في الغالب أن من يصل إلى سن التقاعد يكون في حاجة إلى علاجات للضغط والسكر، وهي علاجات دورية مكلفة، أو إن تعرض لجلطة أو نوبة قلبية أن يستمر في حاجة للرعاية الطبية بشكل أو بآخر، لكن للأسف فإننا نكون ما بين ناري تحمل تكاليف العلاج الباهظة في القطاع الخاص أو قوائم الانتظار المطولة في المستشفيات الحكومية ما لم تكن لك علاقة مباشرة مع طبيب أو مسؤول في تلك المستشفيات.
أما شركات التأمين وما أدراك عن شركات التأمين الطبي فإنها تعامل المتقاعدين على أنهم ملف رديء وعميل موجب للخسارة إن هم قبلوا التأمين عليه، ناهيك عن قائمة الاستثناءات التي يوردونها على التغـطية الطبية للمتقاعدين أو كـبار الـسن بشـأن الأمراض الـمزمنة حتى تكاد تظن أن الـتأمين بالـكاد يمـكن أن يغـطي الـزكام ونـزلات البرد”.
آلمني حديث الرجل في حضرة زوجه وهو يقول كنت أتمنى من جهة عملي السابقة أن تشملني أنا وأقراني ممن جاهد في سبيل خدمتها وخـدمة الوطن في التـغطية التـأمينية التي أجـرتها على منسوبيها الحاليين وأن تكفـينا مغبة الطلب ومؤونة الحاجة.
لا أدري إن كان كلام هذا الرجل الفاضل من باب أنه يطلب أكثر مما يستحق وأن تفاعلي معه كان تفاعلا عاطفيا بحتا أم أن العقل يؤيد هذا التفاعل، وهو ما دعاني لأن أقابل نظامي التقاعد والتأمينات المرتبطين بتعويضات المتقاعدين وورثتهم في المملكة وبين ما يقابلها من أنظمة في الدول الأخرى، فإن كان ما لدينا أفضل حمدنا الله وعلمنا بالفضل وإن كان ما لدينا أقل حمدنا الله على أن قدرة المملكة المالية تؤهلها لأن تكون الأنموذج الأفضل في هذا الباب.
من خـلال تجـربتي في هذا المجال وتواصـلي مع بعـض الصنـاديق الاسـتثمارية في الخارج، لدي تصور أننا بحاجة لتـطوير بعض المفاهيم المالية فيما يتعلق باسـتثمار عوائد استقطاعات معاشـات التقاعد، بحيث تتناسب الاستقطاعات مع توقعات العوائد على الاستثمار بعد التقاعد، التي غالبا ما تكون وافية بتغطية الاحتياجات والتطلعات بقضاء فترة تقاعد مريحة ومنتجة لهؤلاء المتقاعدين.
تتم إدارة صناديق التقاعد الاستثمارية من قبل جهـات متخصصـة تقـوم بتقييم وتقدير العوائد ومخاطر الاستثمار وتوقعاته، بحيث تكون المحصلة النهائية للاستثمار محسوبة ومقدرة، وهو ما يتمكن معه المتقاعدون أن يقدموا أعمالا تطوعية لمجتمعهم، بحيث يفيدون المجتمع من نتاج خبرتهم الطويلة وحصيلة تجربتهم العملية دون أن تكون لهم حاجة لتعويض من قبل الغير أو مطمع في مرتب يعوض النقص في دخلهم.
أما في جانب الرعاية الطبية فقد يكون من المفيد عمل دراسة مقارنة مع دولة أخرى تشبه المملكة من حيث التكوين السكاني، وهي كندا التي تولي الرعاية الصحية للمتقاعدين عناية خاصة من حيث توفير العلاج المجاني والأجهزة التعويضية ومتطلبات العلاج.
غاية ما أقول في هذا الباب أننا بحاجة لمراجعة ما يتعلق بأنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية لكبار السن اليوم، لأن كبار السن هؤلاء يشكلون النسبة الأصغر في بلادنا التي تستحق منا التضحية ونستحق منها الشكر.
تغريدة: حين يكون الفرد عالة على الأمة، والمجموع مفرق إلى مجموعات، يكون المليار مسلم كالرماد في مهب الريح.. فهل نحن أمة المليار حقا؟

 

رابط المقالة


التعليقات

التعليقات مغلقة.