سيكلوجيا التقاعد , الرعاية الطبية , التقاعد , التقاعد والحالة النفسية

11 الخميس 2013

.ابراهيم بن حسن الخضير

لا أعلم ما هو السر وراء الاهتمام بالتقاعد والمتقاعدين.. الاهتمام بالنسبة للحالة النفسية للمتقاعد ومشاعره بعد ترك الوظيفة التي عمل بها لسنواتٍ طويلة. لم يزل أمامي سنواتٍ عديدة للتقاعد، ولكن السنين تمضي سراعاً حتى يُفاجأ الموظف بأنه على وشك التقاعد وأنه خلال فترةٍ قصيرة سوف يترك العمل ويُصبح متقاعداً.! لا أعرف على وجه التحديد لماذا تنتاب الشخص الذي يتقاعد حديثاً مشاعر إحباط قد تصل بالبعض إلى الوصول إلى مرحلة الاكتئاب المرضي!. لقد كتبت عن التقاعد مقالاتٍ قصيرة تعليقاً على فيلم “عن شنايدر”. هذا الفيلم يناقش مشكلة اجتماعية، نفسية مهمة. لقد كان السيد شنايدر يعمل نائباً لمدير مؤسسة كبيرة، وصل لهذا المنصب بعد عقودٍ طويلة من العمل في هذه المؤسسة حتى حان موعد تقاعده. جلس في آخر يوم عمل له في المؤسسة يُراقب الساعة حتى أتمت الساعة الخامسة تماماً، عندئذ أخذ معطفه وألقى نظرة على المكتب الذي سوف يُغادره بلا عودة. في المساء كانت حفلة الوداع التي أقامها له مدير المؤسسة وموظفوها. توالت الكلمات التي تُثني على جد السيد شنايدر وعن دوره في بناء هذه المؤسسة، وانضباطه في العمل والوقت الطويل والجهد الكبير الذي أعطاه من حياته للمؤسسة، ولكن حان له أن يخلد للراحة وأن يتفرّغ لحياته الخاصة بعد هذه السنوات الطويلة من العمل. بعد هذه الحفلة عاد السيد شنايدر وزوجته إلى المنزل وحيدين، فإبنتهما الوحيدة مخطوبة وتعيش مع خطيبها في ولايةٍ أخرى وسوف تتزوج خلال فترةٍ قصيرة وسوف تعيش مع زوجها في تلك الولاية البعيدة عن مقر والديها. كان للسيد شنايدر مخططاتٍ كثيرة ليفعلها بعد التقاعد. اشترى حافلة، عبارة عن منز مُتنقل لكي يقوم بزيارة الولايات التي لم يزرها وكذلك يزور البلدة التي ولد فيها في ولايةٍ أخرى. عندما استيقظ صباح اليوم التالي لتقاعده في نفس الوقت المبكر الذي اعتاد أن يستيقظ فيه خلال سنواتٍ طويلة. نظر إلى الساعة وتذكّر بأن ليس لديه عمل ليذهب إليه. حاول العودة إلى النوم ولكن النوم هرب منه..! نظر إلى زوجته التي ترقد بجانبه، وتساءل من هي هذه المرأة التي ترقد بجانبه على السرير، تذكّر بأنها زوجته. تمعّن في وجهها وجسدها وشعر كم أصبحت عجوزاً وإنه منذ سنوات لم تخطر على باله هذه الأفكار فقد كان يتذّكر زوجته العروس الجميلة والأم متوسطة العمر الرشيقة الجميلة ولكنها الآن عجوز سمينة، ترّهل جسمها وتجعّد وجهها وأصبحت عجوزا لم يكن يتخيلّ بأن هذه هي زوجته. ترك السرير وذهب إلى دورة المياه ونظر إلى وجهه.. تأمل الصلع الذي احتل الجزء الأكبر من رأسه، مررّ يده على وجهه وشاهد التجاعيد التي ملأت وجهه. حلق شاربه ولحيته، وأخذ حماماً ساخناً، ثم ذهب إلى المطبخ وأعد فطوراً له ولزوجته وذهب به إلى الحافلة (المنزل) ووضع الأكل على المائدة في الحافلة وذهب لزوجته ليوقظها. استيقظت مُستفسرة لماذا يستيقظ في هذا الوقت المبكر وأن ليس لديه عمل، ولو تركها تنام وكذلك هو لو نام ساعاتٍ أكثر فليس لديه عمل، واليوم أول يوم في حياته بعد التقاعد. فاجأها بأنه أعد فطوراً، فاستيقظت مُكرهة. وذهبت معه إلى الحافلة، وسألته عن سبب هذا العمل، فقال إنه نوع من التغيير بعد أن تقاعد فلديه خطط كثيرة للاستمتاع بعد التقاعد، ولهذا اشترى الحافلة كي يسافرا بها عبر الولايات المختلفة وبدلاً من أن يسكنا في الفنادق، فإن هذه الحافلة سوف توّفر عليهما أجرة الإقامة في الفنادق وكذلك أجرة المواصلات، وأيضاً يستطيع عبر التوقّف في المحطات الخاصة بمثل هذه البيوت المتنقلة أن يتعرّف على أشخاص آخرين. هزّت زوجته رأسها علامة الموافقة، رغم لم يبدو عليها الحماس لهذه الفكرة.!.
بعد عدة أيام من الملل، يستيقظ الصباح في الوقت الذي أعتاده لسنواتٍ طويلة، وقتٌ مُبكر، لا يعرف ماذا يفعل. يذهب إلى صندوق البريد خارج المنزل. يُحضر جميع الرسائل والتي جميعها فواتير الهاتف والضرائب ودعايات لشركات استهلاكية. يجلس على مكتبه وخلال وقتٍ قصير يُنهي جميع هذه المراسلات. ذهب بها إلى مكتب البريد ليُرسلها. نظر في الساعة بعد أن فرغ من أعماله الصباحية وجدها لم تصل إلى العاشرة صباحاً. اشتاق إلى مكتبه. فرح للفكرة وسار على قدميه إلى مقر المؤسسة التي كان يعمل بها. ذهب إلى مكتبه، وجد شاباً يحتل مكانه، وقد غيرّ المكتب حيث أجهزة الحاسوب وتغّير ديكور المكتب والأثاث أصبح حديثاً، أنيقاً، ليس كما كان حينما كان هو يحتل هذا المكتب. استقبله الشاب الذي حل في منصبة بابتسامة مُصطنعة ورحبّ به. ولكن بعد بضع دقائق، قال له هذا الشاب بأن لديه اجتماعاً ولا بد أن يُغادر، وسأل مستر شنايدر هل تُريد أن تُرافقني إلى المصعد. فعرف مستر شنايدر بأنه طردٌ مؤدب، فوافق الشاب وسارا حتى المصعد نزلا معاً وودعه الشاب عند الباب الخارجي للمؤسسة. أخذ يدور حول مبنى المؤسسة التي أمضى فيها عقوداً من الزمن، لاحظ عندما مرّ بالمكان المخصص للمعاملات والملفات التي يُراد التخلّص منها فوجد بضع صناديق مكتوبٌ عليها هسمه.. هذه المعاملات التي عمل فيها سنوات الآن مآلها إلى محرقة الأوراق. شعر بالاكتئاب وخفض رأسه واتجه إلى منزله. قابلته زوجته وسألته أين كان قال لها بأنه ذهب إلى البريد ثم مرّ على مقر عمله السابق حيث كانت هناك بعض المشاكل في العمل وساعدهم في حلّها..! لم يقل لها بأن الشاب الذي حلّ محله غيرّ كل شيء وإنه طرده من المكتب بأدب وإن الملفات الكثيرة التي عملها أثناء عمله في المؤسسة هي في المكان المُعد للتخلص من الأوراق الزائدة حتى لا تأخذ حيزاً من المكتب. أثنت عليه زوجته وقالت له بالتأكيد إنهم بحاجةٍ إلى خبرة رجلٍ مثلك، هزّ رأسه ودخل مكتبه. حاول أن يبحث عن شيء يفعله، ولكن لم يجد. تذّكر رسالةٍ وصلت من إحدى الجمعيات الخيرية لتبني أطفال في أفريقيا. بحث عن هذا الخطاب وأخذ ورقةً وقلماً وبدأ يكتب للجمعية رسالةٍ طويلة عن رغبته في تبني أحد هؤلاء الأطفال. بعد بضعة أيام أرسلت له الجمعية اسم الطفل في تنزانيا وطلبت منه أن يُرفق برده شيكاً بقيمة معيشة وتعليم الطفل لمدة سنة، وإن الجمعية سوف تكون على تواصل معه ومع الطفل حتى يعرف الطفل من يصرف عليه. كتب الشيك وكتب رسالةٍ طويلة للطفل الأفريقي الذي سوف يتبناه ويدفع مصاريف معيشته وتعليمه. شعر ببعض الراحة وإنه يقوم بعملٍ جيد.

بعد بضعة أيام توفيت زوجته، وشعر كم هي مهمة في حياته فهي التي تقوم بجميع أعمال المنزل ولايعرف هو سوى شيء بسيط. جاءت ابنته من مدينتها البعيده هي وخطيبها لحضور الجنازة وبقيت بضعة أيام كانت وجهات النظر مختلفة تماماً بين الأب والابنة. لقد افترقا منذ زمنٍ بعيد وأصبح يشعر بأنها غريبة وهي تحمل نفس الشعور. بعد أيام من مغادرة ابنته المنزل وبقي وحيداً فليس لديه أصدقاء أو معارف وأصبح وحيداً بمعنى هذه الكلمة. أهمل نفسه ونظافته وأصبح لا يأكل. أي أنه أصبح مُكتئباً. فالمنزل غاية في القذارة وهو لا يأكل فنحف وفقد جزءاً كبيراً من وزنه ولجأ إلى الكحول لرفع مزاجه، فتدهورت صحته. زارته جارة لهم واستغربت الحال التي عليها السيد شنايدر. وعالجته وتحسنّت حالته. ولكنه بقي يشعر بالفراغ القاتل إلى أن ركب يوماً حافلته وتوجّه إلى بلدة ابنته التي لم تُرحب به عندما أخبرها أنه على أطراف المدينة فأخبرته بكل صراحة بأنها ليست مستعدة لاستقباله في الوقت الحاضر. فعكس الاتجاه وغادر يبحث عن ولايةٍ أخرى.

شخص غريب الأطوار

ما جعلني أتذكّر هذا الفيلم هو أنني كنتُ في مدينة أدنبرة لحضور حفل تقاعد أستاذي الذي عملتُ معه وكان المشرف على رسالتي عن دراسة الرهاب الاجتماعي بين المملكة العربية السعودية واسكتلندا، وهو الشخص الذي غيّر وجهة نظري في دراسة اضطرابات القلق بعد أن كنت أميل إلى الطب النفسي العضوي،ولكن عندما درس لنا في السنة الأولى اضطرابات القلق، جعلني أُغير، وأتخصص في العلاج السلوكي وأعمل معه في وحدة علاج اضطرابات القلق. هذا الطبيب النفسي والذي أعتقد أنه أكثر شخص أثّر عليّ في مسيرتي العملية في الطب النفسي. فهو شخص غريب الأطوار. بدأ حياته مع الطب عام 1965م. في البداية عمل في الطب النفسي العضوي، وعمل أول دراسة مُقننة عن العلاج بالجلسات الكهربائية، وقد عمل التلفزيون البريطاني، القناة الأولى في البي بي سي (b.b.c) في برنامج بانوراما، هذا البرنامج الشهير حتى الآن عام 1977حلقةً معه عن العلاج بالجلسات أو الصدمات الكهربائية، وأصبح معروفاً بدراسته هذه ولكنه فجأة ترك، الطب النفسي العضوي وتخصص في العلاج السلوكي المعرفي، وهي نقلت كبيرة ومضادة في عالم الطب النفسي..!. بدأ حياته شيوعياً حيث ذهب في صيف عام 1963م إلى الاتحاد السوفيتي، ولكن تزوج وذهب في شهر العسل عام 1968م إلى تشيكوسلوفاكيا، وهو هناك يقضي شهر العسل، غزا الاتحاد السوفيتي تشيكوسلوفاكيا، فكانت نقطة تحوّل في حياته السياسية، حيث انتقل من أقصى اليسار إلى اليمين.. تماماً كما فعل في حياته المهنية. كان رجلاً محبوباً من جميع من عمل معه. في حفلة تقاعده تكّلم الذين عملوا معه عن تمّيزه، عن حياته، عن أسلوبه الفريد في العمل والإنتاج. وعندما جاءت الكلمة له، اختار أن يقرأ قصة من مجلة بعنوان “حفلة التقاعد”. قال فيها إنكم حضرتم لوداعي.. اكلتم وشربتم وكان يوماً مميزاً بالنسبة لكم.. يوماً يغمره الفرح بالنسبة لكم، لكنه ليس كذلك بالنسبة لي.. أنه يعني بالنسبة لي النهاية..! بعد اليوم لن يعود أحد بحاجةٍ لي.. سوف يكون الملل والفراغ رفيقي الدائم. وتكلّم عن هذا اليوم وكانت عيناه مغرورقتين بالدموع..! ما آثار دهشتي هو أن هذا الطبيب الذي وصفه أحد الأطباء من جيله بأنه ربما يكون الأكثر تميّزاً بين جيله. إنه بصحة جيدة وما هو كاتب علمي وباحث من الطراز الأول، فهو المشرف على واحدٍ من أهم مراجع الطب النفسي وأكثرها احتراماً في بريطانيا، كذلك هو مُخطط ودبلوماسي موهوب، والهيئات الطبية تتسابق ليعمل معها كمستشار أو خبير وكذلك المستشفيات تطلبه للتدريب وعلاج المرضى.. رجل يملك كل هذه السمات وأنا متأكد تمام التأكيد بأنه سوف يكون مشغولاً بعد تقاعده مثلما كان مشغولاً أثناء عمله.. ولكن الشعور بالنهاية عند التقاعد هو المشكلة التي جعلت من طبيب عالمي ومُتخصص في العلاج السلوكي المعرفي يذرف الدمع في حفل تقاعده.. لذلك يجب تفهّم مشاعر المتقاعدين.. إنه ليس المال وليس الفراغ ولكن التقاعد يعني رسمياً بأنك حي خارج نطاق الحياة العملية وهذا يعني النهاية التي تجعل أكثرنا يكتئب عندما يأتي يوم تقاعده..!


التعليقات

التعليقات مغلقة.