التقاعد مفترق طرق أم بداية الفراغ والاكتئاب؟

11 الخميس 2013

ايفون عبود الحلو
بعد مرور أقل من اسبوع على بدء فترة تقاعده من العمل، بدأ كامل يستشعر المعنى الحقيقي لهذه المرحلة. انها ليست كما تصورها استحقاقاً للراحة والتنعم بالحياة بعد سنوات طويلة من العمل الدؤوب كموظف نشيط في احدى وزارات الدولة. لقد ترك عمله فعلاً، لكن العادات التي اكتسبها خلال ايام العمل لم تتخل عنه: يفيق في وقت مبكر كما اعتاد دائماً، يشرب قهوته على عجل يتناول فطوراً سريعاً… لكن بدل الذهاب الى العمل، يجد نفسه يدخل الى الملل والفراغ. الوقت طويل طويل ولا يعرف كيف يشغله. يتبادل أحاديث عابرة مع زوجته المنهمكة بأعمال المنزل. يتمشى في الشارع المحاذي. يذهب الى مركز عمله السابق لكن لم يعد له مكان فيه. الزملاء السابقون منشغلون وهو بات متطفلاً بينهم يعوقهم عن تأدية واجباتهم. انه لا يعرف ماذا يفعل بكل هذا الوقت الفائض لديه.
حالة كامل ليست استثنائية، بل هو واقع يعيشه الكثير من المتقاعدين الذين “فوجئوا” ببلوغهم هذه المرحلة وبالمعاناة التي تنطوي عليها.
في لبنان، تعتبر الرابعة والستون سن التقاعد القانونية. وفي حالات نادرة يمكن تمديد فترة العمل من خلال عقد تعاقدي لحاجة المؤسسة الى خبرة المتقاعد.
وغالباً ما ينهي المتقاعد فترة عمله وهو لا يزال يتمتع بالصحة الجيدة والإرادة الجدية لمواصلة العمل، بل يكون في ذروة نضوجه وخبرته المهنيين. لكن ضرورات السن لا تلحظ هذه الرغبات الشخصية، فما إن يبلغ العامل او الموظف هذه السن المحددة حتى يجد نفسه محكوماً بمغادرة عمله والانسلاخ عن محيط أمضى فيه سنوات طويلة أسس خلالها شبكة من الصداقات والعلاقات الانسانية التي تمنحه الاحساس بالإحاطة والاستقرار والانتماء. فجأة، يخسر كل هذه المكتسبات ويجد نفسه بين ليلة وضحاها في براثن عالم آخر مجهول المعالم، عليه ان يعيد بناء نفسه فيه.
حنين إلى الزمن الضائع
بعضهم يثابر على التردد الى مركز عمله السابق استجابة لنداء الحنين الى المكان والناس والزمن الذي كان ينتمي اليه ويتمتع خلاله بدور انتاجي يرضيه. فيما البعض الآخر يغادر ولا يعود أبداً لئلا تطحنه المرارة والخوف من مواجهة حقيقة ان دوره قد انتهى وأن آخر قد احتل موقعه.
وفي مجتمعنا، لا يتمتع المتقاعد بأي مكتسبات استثنائية تخفف عنه وطأة دخوله مرحلة “العمر الثالث” كما يطلق عليها في فرنسا. وفي المجتمعات المتطورة التي تخص المتقاعد بتقديمات كثيرة من حيث الرعاية الصحية والاجتماعية والاقتصادية وبتخفيضات في وسائل النقل والسينما والمسرح والمتاحف، إضافة الى وجود نوادٍ وجمعيات يلتقي فيها المتقاعدون لممارسة الهوايات المشتركة والتعرف الى بعضهم بعضاً وتكوين شبكة صداقات جديدة.
المتقاعد في مجتمعنا، إضافة الى عبء التقدم في السن، تنسحب عليه ظروف الإهمال التي يعاني منها كل فرد. العائلة هي ملاذه الوحيد. لكن حتى هذه أصابها التشتت بفعل الازمات الاقتصادية التي أدت الى هجرة كثيفة في اوساط الشباب ومن بقي منهم لا يشكل سنداً لمتقاعد قد يكون معاش تقاعده هو المورد الوحيد لهم لأنهم غالباً عاطلون من العمل.
المأزق حقيقي وتشير الاحصاءات الى ان الكثير من المتقاعدين حديثاً يصابون بتدهور صحي مفاجئ نتيجة الإحباط الذي يعانون منه وبسبب الإحساس بالفراغ لأن دورهم قد انتهى وهم يتجهون الى نهاية حزينة موحشة فيستعجلونها في شكل لا واعٍ.
لكن هذه “النهاية” القاتمة ليست قدراً محتوماً اذا استعد المتقاعد لهذه المرحلة قبل بلوغها واستخلص العبر من تجارب الذين سبقوه اليها، فحصن نفسه مادياً ونفسياً ومهنياً ضد الاكتئاب والعزلة والتهميش. والأمثلة على ذلك كثيرة.
“لطالما حلمنا بالسفر زوجي وأنا، تقول فريال. لكن متطلبات الاسرة وواجبات العمل كانت تحرمنا من المال والوقت. كنا ندخر شهرياً مبلغاً متواضعاً من المال من اجل تحقيق هذا الحلم. وها نحن الآن متقاعدان، ولدانا مستقلان مادياً لذلك نسافر كل سنة في جولة سياحية مع مجموعة من الاصدقاء وهذا ما يشعرنا بالسعادة ويزودنا بالأمل والانشغال على مدى بقية ايام السنة للتحضير للرحلة المقبلة”.
ويرى أنور ان في التقاعد “بداية حياة جديدة. كانت الوظيفة بالنسبة الي وسيلة لتأمين دخل ثابت لأسرتي. وما ان تقاعدت حتى توافر لي الوقت لأمارس المهنة الحرة التي احبها من دون التقيد بدوام صارم سواء في العمل او في نظام الحياة اليومي”.
ان التقدم في العمر وبلوغ سن التقاعد حقيقة لا مفر منها، لكن يمكن المرء التخفيف من وطأتها بتحويلها الى بداية لمرحلة عطاء جديدة. لذلك ينصح علماء النفس كل فرد بتحصين نفسه ضد اكتئاب التقاعد وحالة الفراغ بالتحضير جيداً لهذه المرحلة مادياً وفكرياً وبممارسة نشاط جديد يتناسب مع العمر والخبرة والمزاج او بممارسة هواية تحقق المتعة والرضا عن النفس وتملأ الفراغ وتعيد الى المتقاعد احساسه بأنه في بداية مرحلة جديدة في حياته يستثمر فيها كل حكمة تجاربه للتمتع بمعنى الحياة الحقيقي فلا ينجرف وراء الإحساس الداكن بأنه يمضي وحيداً الى النهاية.
نقلاً عن: “الحياة” – 23/03/06//


التعليقات

التعليقات مغلقة.