تثقيف مالي للموظفين وزيادات استثنائية للمتقاعدين

06 الأثنين 2014

د. سعيد بن على العضاضي

أستاذ إدارة الأعمال المشارك – جامعة الملك خالد

هناك إحصائيات تنشر من قبل بعض مراكز المعلومات في بلادنا تحتاج منّا إلى الوقوف عندها وتحليل محتواها. فعلى سبيل المثال أصدر معهد الإدارة العامة عام 1424هـ بيانات عن أوضاع المتقاعدين في المملكة العربية السعودية ومن أبرز ما جاء في هذا التقرير أن 64 في المائة من المتقاعدين تبلغ رواتبهم أقل من أربعة آلاف ريال، كما أن 68 في المائة من المتقاعدين ليس لديهم مصدر دخل آخر غير الراتب، و80 في المائة زادت أعباؤهم المالية بعد التقاعد، إضافة إلى أن 42 في المائة لا يملكون سكناً، و86 في المائة من المتقاعدين يبحثون عن عمل بعد التقاعد، وأخيراً تقول هذه الإحصائيات: إن 70 في المائة من المتقاعدين لا يملكون سيارة.

وبالرغم من أن هذه البيانات تم نشرها قبل عدة سنوات إلا أنه تم تحديثها عدة مرات والغريب في الأمر أن النسب ظلت كما هي سوى تغيير طفيف في بعض الجوانب. ومثل هذه الإحصائيات تجعلنا نضع أحوال المتقاعدين تحت المجهر وندرس أوضاعهم المتردية وكيف أنهم يبدؤون حياة شاقة مريرة بعد التقاعد. فهناك الكثير من المشكلات نستطيع أن نستشفها من هذه البيانات منها حاجة الكثير من المتقاعدين إلى السكن فنصفهم تقريباً لم يستطيعوا تأمين سكن لهم ولذويهم خلال حياتهم الوظيفية، كما أن نسبة كبيرة منهم (64 في المائة) تبلغ رواتبهم أقل من أربعة آلاف ريال وهذا يقودنا إلى أن غالبيتهم (86 في المائة) يبحثون عن عمل بعد التقاعد. كما أن أعباءهم المالية تزيد بعد التقاعد والذي يفترض أن تقل بافتراض أن المتطلبات الأساسية لحياة الموظف قد تم تأمينها، كما أن عدد أفراد الأسرة قد تناقص بسبب زواج بعض الأبناء والبنات. أرى أن أوضاع المتقاعدين متعلّقة بسبب جوهري وهو اعتمادهم على مصدر وحيد لتلبية متطلباتهم المعيشية وهو مصدر الراتب، فالبيانات التي بين أيدينا تقول: إن (68 في المائة) من المتقاعدين يعتمدون على مصدر واحد للدخل هو الراتب وهذا بيت القصيد. فيبدو أن نسبة كبيرة من المتقاعدين لم يمارسوا أعمالاً أخرى غير وظائفهم في الحكومة أو القطاع الخاص خلال حياتهم الوظيفية مما جعلهم معتمدين اعتماداً كلياً على رواتبهم بعد التقاعد.

فبيانات كهذه – إن ثبت مصداقيتها – تدل على أن الموظفين بشكل عام ليس لديهم أدني معلومات عن الثقافة المالية وأنهم يعملون لدى الجهات الحكومية وغير الحكومية. يستيقظ الموظف منذ أن تكون الطير في وكناتها حتى يرخي الليل سدوله ولا همَّ له إلا أن ينجز عمله لدى المؤسسة التي يعمل بها دون أن يفكر في مستقبله المالي الذي يفترض أن يأخذ مساحة كبيرة من همّه. فالعمل لدى الحكومة أو القطاع الخاص يفيد الجهات المعنية وهو بفعلته هذه يقدم ويبني مستقبل الجهة التي يعمل بها ويهدم مستقبله من حيث لا يدري. وأنا هنا لا أنادي بالإخلال بالعمل، بل أنادي بأن يعمل الموظف بحكمة وينجز عمله بأمانة وإتقان ودراية ونضج ولكن عليه أن يعلم أن دخله من الوظيفة لا يفي بمتطلباته عندما يتقدم به العمر، لذا ينبغي عليه إذاً أن يبدأ مبكراً في زيادة مصادر حصوله على الأموال بتنويع استثماراته الشخصية.

عندما ترى أن نحو 70 في المائة من المتقاعدين ليس لديهم مصدر دخل آخر غير دخل الوظيفة فهذا يدل على أن فكرة استثمار الأموال الشخصية غير واردة في أذهانهم وأنهم يعتمدون اعتماداً كلياً على وظائفهم. وسبق أن بينت في مقالات سابقة أن الموظفين يجب أن يتمردوا على وظائفهم وأن ينظروا إليها على أنها مرحلة يجب أن يتعدوها ويجتازوها إلى الحرية والانطلاقة عن طريق تكوين مصادر دخول إضافية غير مصدر الراتب ولو بمصادر بسيطة، فالهدف هنا ليس تكوين ثروة، بل الوصول إلى حد آمن واكتفاء ذاتي يستطيع به المتقاعد أن يلبي حاجاته ويسدد مستحقاته ويحقق أمنياته ويوفر له موارد تغنيه عن مد يد العون إلى الناس بعد التقاعد أو أن يسلّم نفسه للمؤسسات المالية التي تفتك به وتستحل ما تبقى من دخله.

كما يتضح لنا من هذه البيانات أن فكرة الادخار والاستثمار لا تمارس لدى نسبة كبيرة من الموظفين. فنحو 70 في المائة من المتقاعدين ليس لديهم مصدر دخل غير الوظيفة، يعني أنهم لم يمارسوا فكرة الادخار خلال حياتهم الوظيفية التي استمرت من 30 إلى 40 عاماً. وهنا نسأل: ماذا كان يفعل هؤلاء المتقاعدون خلال 40 عاماً من العمل في الحكومة؟ ألم يتمكنوا من تكوين مبلغ من المال يخوضون به تجربة استثمارية بسيطة تعينهم -بعد الله – على مقابلة أعباء التقاعد عندما يشيب المفرق ويوهن العظم ويقل السمع والبصر. الموظف الحكومي وغير الحكومي يستطيع خلال خطة مدتها 30 عاماً أن يوفر ثم يدخر ثم يستثمر ثم يكوّن مصدراً آخر للدخل، بل عدة مصادر، ولكن ضعف الثقافة المالية وقلة الوعي الاقتصادي الأسري لدى الأفراد واستطالة الطريق هي التي أوصلت غالبية الموظفين إلى الفاقة والعوز بعد التقاعد.

وإذا كنت أحمّل المتقاعدين تبعية ما وصلوا إليه إلا أن قطاعات الأعمال الحكومية والخاصة لا نعفيها من هذه النهاية المأساوية لموظفيهم بعد التقاعد. أنا لا أدري لماذا تتخلى هذه الجهات عن تثقيف الناس مالياً وتدربهم وهم على رأس أعمالهم على كيفية إدارة أموالهم الشخصية حتى لا ينتشر الفقر بين الناس. هناك قواعد بسيطة لإدارة الأموال الشخصية يمكن أن يدرّب عليها الناس وهم ما زالوا على رأس أعمالهم وفي بداية مشوارهم الوظيفي تعينهم – بعد الله – على أن يبدؤوا حياة وظيفية هادئة ويؤدوا أعمالهم بأمانة ويستمتعوا بوظائفهم وفي الوقت نفسه يشعرون بالأمن على مستقبلهم بعد التقاعد. إذاً نريد توجيهاً وإرشاداً وتثقيفاً مالياً للموظفين الذين ما زالوا على رأس العمل ونريد معونة وزيادات استثنائية للمتقاعدين الفعليين لمقابلة متطلبات ما بعد التقاعد.


التعليقات

التعليقات مغلقة.