صندوق احتياطي رواتب المتقاعدين!

06 الأثنين 2014

 

د. عبدالإله محمد جدع
الجمعة 13/06/2014
صندوق احتياطي رواتب المتقاعدين!

• استرعى انتباهي الخبر الذي نشر بهذه الجريدة عن بحث مجلس الشورى في مقترح بإنشاء صندوق احتياطي لتفادي أي عجز في رواتب المتقاعدين ويشير المقترح إلى أن أنظمة التقاعد المعمول بها في المملكة حاليًا قد تواجه عجزًا في المستقبل ربما لا يمكّنها من الوفاء بالتزاماتها التقاعدية.. أما صاحب المقترح فقد فسرّ في ردّه على تساؤلات أعضاء اللجنة أسباب مخاوفه فقال: بأن العجز المتوقع يرجع لعدة أسباب منها عدم كفاية العوائد الاستثمارية التي قامت عليها هذه المؤسسة! بجانب ما تم إدخاله من تعديلات حول أحقية التقاعد وفقًا للفئات العمرية، وعلى حد قول صاحب المقترح بأن الفوائض المالية الحالية بمثابة فرصة كبيرة لا بد من الاستفادة المثلى منها للاحتفاظ بجزء من الفوائض للأجيال القادمة وإن هذا الصندوق الاحتياطي يعمل على درء المخاطر التي تحدّق بصناديق التقاعد العسكري والمدني والتأمينات.
• وللحقيقة فإن المقترح رغم وجاهته ومنطقية ما استعرضه من أسباب إلا أن الدوافع تحمل في طياتها غرابة ودهشة مردّها أن نفاجأ بالعجز في صندوق التقاعد العسكري والمدني بما يعادل 9 مليار مع توقع نفاد الاحتياطي التقاعدي المدني في عام 1458هـ ونفاد الاحتياطي التقاعدي العسكري في عام 1442هـ ليستمر العجز حتى يصل في عام 1459هـ إلى حوالى 191 مليار ريال في الاحتياطي للنظامين، وذلك وفقًا لإحصاءات المؤسسة العامة للتقاعد.. بل أن ثمة معاناة يواجهها صندوق التقاعد العسكري قد بدأت فعليا منذ العام 2012م، وكانت لجنة إدارة الموارد البشرية قد أيدّت في تقريرها المّقدم لمجلس الشورى ملاءمة دراسة مشروع النظام المكوّن من خمس وعشرين مادة موزعة على أربعة فصول تتضمن خمس موارد مالية مقترحة للصندوق.
• وأعيد القول بأنه رغم وجاهة المقترح إلاّ أن السؤال لماذا كان التفكير أصلاً بإنشاء صندوق احتياطي لتفادي العجز في رواتب المتقاعدين؟ ألا يدل ذلك على تعثر آليات الاستثمار لأموال المتقاعدين المتراكمة؟! وإذا سلمنا بوجاهة الفكرة وجدواها الاقتصادية في ضوء مؤشرات ما سيؤدي إليه الوضع الحالي في الصناديق من عجوزات محتملة إلا أن حلّ إنشاء صندوق احتياطي لا أتصور أنه من أفضل الحلول إذ سيأتي الوقت لينفد فيه ما نفد في صناديق التقاعد والتأمينات ثم نفكر في صندوق احتياطي الاحتياطي وهكذا.
• والأمر يحتاج دراسة جدوى متأنية من ناحية ومراجعة شاملة في أمر ما آلت إليه هذه الصناديق وكذلك مراجعة أساليب إدارة أموالها التي تدفقت طيلة السنوات الماضية، ثم آليات وبدائل الاستثمار التي لم يحسن استغلالها من ناحية ثانية.
• وللحقيقة المدهشة مرة أخرى إننا منذ سنوات طوال لم نشهد مشروعات استثمارية مربحة لهذه الجهات المخوّلة بإدارة صناديق التقاعد العسكري والمدني والتأمينات الاجتماعية وربما لم تصلنا أخبارها بل إن المستفيدين كثيرًا ما اشتكوا من عدم استفادتهم من استثمارات تلك الجهات وأن ما تقوم عليه بعض المشروعات إنما هو بمجهودات ذاتية من متقاعدين أرادوا أن يخدموا أنفسهم وزملائهم.. وفي تصورهم أن ما حصلت عليه تلك الصناديق من وفورات مالية ومبالغ متراكمة كان كفيلاً – لو تم استغلاله بشكل أفضل- بتوفير عوائد استثمارية ثابتة تحقق موارد إضافية ليس للمتقاعدين فحسب بل لميزانية الدولة.. وكان المؤمل أن يستفيد منها المتقاعدون حتى لو في التأمين الصحي الجماعي وثمة أمثلة لأوجه استثمار مضمونة كان يمكن أن تدّر عوائد كبيرة على صناديق التقاعد ومنها السوق العقاري الذي حقق فيه الأفراد وتكسّبت منه الشركات التي لم تمتلك ما تمتلكه صناديق التقاعد من وفورات.. الكثير من المكاسب مع الطفرة التي مرّت بها البلاد في العشرين سنة الماضية ولم تستغل صناديق التقاعد المال المتجمد ولا مساحات الأراضي الفضاء في أنحاء جدة والمدن الأخرى.
• إن إدارة أموال الصناديق التقاعدية ليست بالمهمة اليسيرة وكان من المفترض الفصل بين إدارة نظم وإجراءات حسابات وصرف المستحقات التقاعدية للمستفيدين وبين إدارات متخصصة للاستثمار بالتعاون مع بيوت الخبرة والشركات الاستثمارية لأنه من غير المنطقي أن تعاني مثل تلك الصناديق في قابل الأعوام وهي التي كان يفترض أنه يُضخ فيها من الأموال الكثير ولكن وقد سبق السيف العذل يبدو بأننا أمام مشكلة حقيقية لم تخطر على بال المتقاعدين فضلاً عن الجهات التي تدير أموالهم وكذلك المخططين لإدارة واستغلال تلك الأموال وبما أن الطيور قد طارت بأرزاقها فإن حركة العقار اليوم في البلاد غير طبيعية بعد أن ساهمت شركات الاستثمار العقاري وبعض أصحاب رؤوس الأموال المتاجرون في الأراضي والسكن الذين أضرّوا بالسوق وأفسدوا طبيعتها وعكرّوا ماءها ليصطادوا فيه غنائمهم وذهبوا بالفوائد.. لذلك أصبح الاستثمار في هذا المجال الذي كان خصبًا سهلاً محفوفًا اليوم بالمخاطر فماذا ستفكر فيه الجهات التي تدير الصناديق التقاعدية؟
• رأينا في جدة بجوار مدينة الملك عبدالله الرياضية مساحات لسكن المتقاعدين وفي الوجه المقابل لطريق صالة الحج بعض الأراضي المسّورة لمشروعات صناديق التقاعد فعسى أن تعوّض ما فات ويمكن استغلالها بشكل يعيد التوازن للصناديق..
• وأخيرًا فإنه ليس بالحل الوحيد إيجاد صندوق احتياطي لدعم العجز في صناديق التقاعد لأنه سوف يعني المزيد من الهدر لعوائد المتقاعدين وعدم استغلالها وسوف يصرف النظر عن الاستثمار ويركزّ على حفظ المال الذي سيفقد قيمته مع الوقت ومع الصرف للمستفيدين فهل نحلم بدراسات جدوى تؤدي إلى حلول تكفل إدارة أموال المتقاعدين بشكل أفضل.
دوحة الشعر:
ربي شقيت بطيبتي وسريرتي
فلكم غفرت لـغدرة الأوغاد
أيخون من أوليته ثقتي ومن
أشـقى ليبلغ غـاية الأسعاد
خيري إليهم هاطل مـتجدد
والشر مـنهم جسّد الأضداد


التعليقات

التعليقات مغلقة.