يوسف القبلان: من (بن).. إلى جمعية المتقاعدين

12 الأثنين 2015

شاهدت مؤخراً فيلماً أميركياً بعنوان (المتدرب) وهو فيلم كوميدي هادف تدور أحداثه في بيئة عمل لفريق ناجح من الجيل الجديد بقيادة شابة ذكية طموحة مدمنة على العمل لدرجة أنها أهملت شؤون بيتها ورعاية طفلتها، وقد اضطر زوجها دعماً لها أن يتخلى عن عمله ويتفرغ لتربية طفلتهما كي تستمر زوجته في عملها وتواصل نجاحها.

تدور فكرة الفيلم على ظروف المتقاعد وكيف يتعامل مع الفراغ والملل بعد حياة عملية حافلة، خاصة إذا كان لدى المتقاعد الرغبة والقدرة على العمل والمشاركة في فعاليات المجتمع.

تلك كانت حالة بطل الفيلم (بن) الذي يقوم بدوره الممثل المبدع (روبرتو دي نيرو) فقد شعر بعد التقاعد بطول الوقت وكانت لديه رغبة في العمل.

في هذه الأثناء أعلنت شركة متخصصة في بيع الملابس عن طريق النت عن برنامج جديد يحمل اسم (المتدرب) تستعين فيه بعدد من المتقاعدين للعمل في الشركة. وبعد إجراء الاختبارات والمقابلات اختارت الشركة أربعة متقاعدين كان من بينهم صاحبنا (بن).

الشركة تديرها بروح الشباب الشابة (جولز أوستن) وتقوم بدورها بكل إبداع الممثلة (آن هاثا واي). بيئة العمل بيئة تبدو فوضوية لكنها فوضى منظمة ومنتجة ومحفزة على الإبداع وتشجيع الأفكار الجديدة والمبادرات. من هذه الأفكار فكرة الاستعانة بعدد من المتقاعدين.

وعندما حضر (بن) في أول يوم عمل كان يحمل معه أدواته القديمة، شنطة، وآلة حاسبة، ووجد نفسه في بيئة عمل ذات إيقاع سريع لكن خبرته أسعفته في التأقلم والتعلم ثم الإضافة.

تم توزيع المتقاعدين المتدربين ووجد (بن) نفسه مكلفاً بالعمل مع صاحبة المشروع والمديرة في نفس الوقت، ووسط جيل التقنية، والسرعة، والبساطة في العلاقات الرسمية وغير الرسمية، لكنه جيل لا يجد غضاضة في الاستعانة بالخبرة والحكمة سواء في حل مشكلات العمل أو حتى المشكلات العائلية. وهكذا يبرز الفيلم أهمية دمج الحماس والطموح والتقنية بالخبرة في فريق واحد.

بدأ (بن) العمل تحت إشراف شابة مدمنة على العمل ومندفعة ولا تجد الوقت حتى لعائلتها ونومها وطعامها، فكيف تجد الوقت للتعامل مع القادم الجديد؟! البداية كانت صعبة فهي بحكم انشغالها لم تهتم بهذا المتدرب أو تتوقع منه أن يضيف شيئاً. لكن (بن) تحلى بالصبر والحكمة، وبدأ يلفت نظر المديرة بالتركيز على العمل والانضباط واستطاع إبراز قدراته وبنى علاقات عمل إيجابية، وعلاقات إنسانية مع الجميع. كان من الواضح أن (بن) بدأ يضيف ويحدث تأثيرا الأمر الذي جعل المديرة تعطيه من وقتها وتستمع اليه وتستعين به في أمور العمل وأمور العائلة. وقد تمكن (بن) من تقديم أفكار ساهمت في استمرار النجاح وإنقاذ المشروع من الفشل، كما ساهم في إنقاذ زواج مديرة المشروع، وإدارة وقتها بحيث لا يكون العمل على حساب حياتها العائلية.

بعد مشاهدتي هذا الفيلم الجميل في فكرته وإخراجه وأداء ممثليه، تذكرت الجمعية الوطنية للمتقاعدين في المملكة التي تأسست عام 1426 ورغم عمرها القصير فقد سارت بخطوات منظمة وحققت كثيراً من الإنجازات من أبرزها وضع النظام الأساسي، واللوائح الإدارية والمالية، وإنشاء مركز تدريب، وإصدار مجلة، كما أصبح لها (16) فرعاً في المملكة. وهي جمعية رائدة وذات رسالة وأهداف رائعة. من هذه الأهداف ما يتفق مع فكرة هذا الفيلم فالجمعية –حسب موقعها- تسعى لدى الجهات الحكومية والأهلية للاستفادة من مهارات وخبرات المتقاعدين وتحسين وتطوير أوضاع المتقاعدين المالية والصحية والمعنوية وتوفير فرص التأهيل والتدريب والخدمات الاستشارية والدراسات في مختلف المجالات التي تساهم في تطوير وتوظيف خبرات ومهارات المتقاعدين.

أما رسالة الجمعية الوطنية للمتقاعدين – حسب موقعها- فهي تسعى إلى رفع مستوى الثقافة والوعي والمعرفة بشؤون المتقاعدين ومكانتهم وقدراتهم وأهمية احترامهم والمحافظة على حقوقهم وتسهيل قيامهم بواجباتهم وتصحيح الصورة النمطية عن التقاعد والمتقاعدين، والتأكيد على أهمية ما قاموا به من إنجازات في الماضي وما يتوقع منهم من المشاركة في الحاضر والمستقبل.

انطلاقاً من تلك الرسالة والأهداف فقد يرى المسؤولون في الجمعية أن هذا الجانب وهو الاستفادة من مهارات وخبرات المتقاعدين يحتاج إلى تفعيل. وقد يكون من المناسب استهداف المؤسسات الصغيرة الناشئة لتكون ميداناً لدمج عنصر الخبرة بعنصر الشباب. وأعلم من خلال ما تنشره الجمعية أنها تسير في هذا الاتجاه، وأنها على سبيل المثال زودت بعض الشركات برجال أمن متقاعدين للعمل بها كحراس أمن ومشرفين أمنيين كما زودت بعض الجهات بموظفي اتصالات للعمل في السنترال، وزودت جهات أخرى بثلاثين مهندساً من مختلف التخصصات للعمل داخل المملكة وخارجها، كما زودت بعض الكليات الطبية الأهلية بعدد من التخصصات الصحية.

هذه معلومات تشير الى أن الجمعية تسير في الاتجاه الصحيح لتحقيق أهدافها، بل يمكن القول إن الجمعية سبقت فكرة الفيلم المشار إليه ففي العام الماضي طلبت جهات حكومية الاستعانة بألف محاسب من المتقاعدين من أعضاء الجمعية من حملة البكالوريوس الراغبين في العمل لديها.

ومع ذلك ينتظر المجتمع والمنتسبون للجمعية المزيد من فرص المشاركة وبرامج التثقيف والتواصل مع المجتمع. ويلاحظ من خلال موقع الجمعية أن آخر ندوة عقدتها الجمعية كانت في 8/ 4 / 1426 وكانت بعنوان (المتقاعدون بين الواقع والمأمول) ولعلي انطلاقاً من هذه الملاحظة أقترح على الجمعية عقد ندوة جديدة أو ورشة عمل عن موضوع دمج عنصر الخبرة بعنصر الشباب في فريق عمل واحد، واعتبروا هذا المقترح موجهاً لكم من (بن) الذي يدعوكم أيضاً لمشاهدة فيلمه.

 

 

 

جريدة الرياض


التعليقات

التعليقات مغلقة.