تحية ونصيحة لمؤسسي جمعيات وخدمات المتقاعدين

12 السبت 2015

اصبروا إن لم يقدِّر الكثيرُ جهدَكم وسبقكم وعملَكم؛ فأنتم ترون – بعين الأمَل والعزيمة – رؤيةً مستقبليَّة واعِدة مشرِقة، لا يكاد يَراها ويؤمِن بها إلاَّ القلَّة القليلة، فلا تَهِنوا ولا تَحزنوا؛ فإنَّكم ترون ما لا يرون، فلا غرابة أنَّ حماسكم أشدُّ، وإيمانكم أقوى، وإصراركم أعلى

 

تحيَّة إجلال وإكبار لمؤسِّسي كل المشاريع النَّافعة للبشَر في العالم، وأُتبعها بألف تحية خاصَّة لمؤسِّسي جمعيات ومبادرات خدمات المتقاعدين في بلادنا، تحيَّة أحسبها صادقة، ولا أزكِّي نفسي على الله.
تحية مزاجها كافورُ الشُّكر والامتنان والعرفان، تحية وثناء ودعاء، تحيَّة وتقدير مستحقان بحقٍّ وجدارة، أهديها لجيل التأسيس لهذه المشاريع النَّافعة للمتقاعدين، فهم أول مَن بادر وحرَث، وبذَر وسقى، وتعب ورعَى، وجاهَد ولم ييأس.
إنَّ المأمول بعون الله وتوفيقه أن تُثمِر هذه البذرة التأسيسية وأمثالها – بعد حين – دوحةً باسقة ظليلة، مثمِرة معمرة، ينعم من خيراتها المتقاعدون جيلاً بعد جيل، فيشكرون اللهَ على نِعَمه وآلائه، ولا يَشكر اللهَ مَن لا يَشكر النَّاسَ، ومن سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة، فله أجرُها وأجرُ من عمل بها إلى يوم القيامة، ولا يَستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وآمن، وكلاًّ وعد الله الحسنى، ولا غرابة أنْ علا مقامُ أهل بدر على مَن لَم يَشهدها، وعلى كلِّ المتأخرين، نعم؛ فلقد تقدَّموا فقُدِّموا، والقياس – كما نعرف – يجوز، مع وجود الفارق.
تحية يقدِّمها – كما هو مشهود ومجرَّب – أعدادٌ وأصناف مختلفة من البشر، بطُرق مختلفة خلال دورة نموِّ أي فكرة رائدة، تَبدأ بمرحلة الحُلم والرؤية والتأسيس، إلى مرحلة الكمون والاختمار، التي تَتلوها مراحل الإثمار والحصاد، والتعلُّم والتصحيح والتجديد.
هذه التحيَّة يا كاتبنا، التي أفضتَ في الحديث عنها، ولعلَّك أسهبتَ، ها قد قرأناها، ووعيناها، فأين الشق الآخر من العنوان: النَّصيحة لمؤسِّسي جمعيات ومبادرات خدمات المتقاعدين في بلادنا، ولكلِّ مؤسِّسي المبادرات النَّافعة في العالم أجمع؟
لم أقصد بتأخيري النَّصيحة بعد التحية ما اعتدنا – وفي هذا نظر- من التمهيد للنَّقد بتقديم الثَّناء؛ إنَّما قصدتُ به الإنصاف، وإيفاء الحقوق، والاعتراف بالفضل لأهل الفضل، كما قصدتُ بهذا التأكيد على أهمية مَرحلة التأسيس ورجالاتها، وتوطِئة للحديث عمَّا يميز هذه المرحلة من صعوباتٍ وتحديات تغاير تمامًا المراحل التي سوف تليها.
أول وأجلُّ وأعظم نصيحة أهديها لجِيل التأسيس الموقَّر هي الصَّبر، ثمَّ الصبر، ثمَّ الصبر.
قد يقول قائل: إنَّك لم تأتِ في نصيحتك هذه بجديد، وأوافقه ابتداء، وأوضح ما عنيتُه بالصبر.
إنَّ النَّاظر في رصيد التجارِب الإنسانيَّة يَجد أنَّ أغلب الأفكار والمبادرات بدأَت في أول أمرها على يدِ فرد أو اثنين أو مجموعةٍ صغيرة ومحدودة، ولنسمِّهم في مبحثنا هذا: المؤسِّسين أو جيل التأسيس، وممَّا يميزهم عن غيرهم في مجتمعاتهم سَبْق الرُّؤية المتفردة، والمبادرة في ترجمة الرؤية إلى واقعٍ وعمل متنامٍ، فهم جمعوا بهذا بين أمرين:
– كونهم من أوائل مَن رأى وأدرك الحاجةَ لهذه الفِكرة الجديدة؛ مثل جمعيات خدمات المتقاعدين.
– وأنَّهم لم يَكتفوا بالفِكرة، بل أَتْبعوا هذه الرؤية بالعمل الجادِّ لتحقيقها.
فيا جيل التأسيس، اصبروا إن لم يقدِّر الكثيرُ جهدَكم وسبقكم وعملَكم؛ فأنتم ترون – بعين الأمَل والعزيمة – رؤيةً مستقبليَّة واعِدة مشرِقة، لا يكاد يَراها ويؤمِن بها إلاَّ القلَّة القليلة، فلا تَهِنوا ولا تَحزنوا؛ فإنَّكم ترون ما لا يرون، فلا غرابة أنَّ حماسكم أشدُّ، وإيمانكم أقوى، وإصراركم أعلى.
إنَّ التطبيق العملي لفهم الميزات النَّفسيَّة لجيل التأسيس – من قِبَل أنفسهم ومقارنة بغيرهم – يفسِّر لهم أولاً ولغيرهم سببَ التباين في التعلُّق والحماس للفِكرة بينهم – كمؤسسين سبَّاقين بالرؤية والمبادرة – والآخَرين الذين لم تتبَلوَر لديهم الرؤية المستقبليَّة، فهم ما زالوا في أُولى مراحل الفهم، وإن تعجَّل بعضهم وظنَّ تمام الفهم، فإن هاجموكم وتحدوكم وجحدوكم، فاعذروهم وارحموهم، واصبروا، فإنكم ترون ما لا يرون.
لعلَّ ما تقدَّم يسوقنا إلى تطبيقٍ عمليٍّ آخر لهذا الفهم: ضرورة وأهمية التركيز في مرحلة التأسيس على شرح الرؤية وإيضاحها من جوانب عدَّة، وبأساليب ومستويات مختلفة، ويقتضي هذا التَّركيز ترفُّع جيل التأسيس عن مناقشة التفاصيل قَبل وقتها والمدافعة عن مستوى الخدمة الآنية، التي غالبًا ما تكون بسيطةً ومحدودة في زمن التأسيس، فإنْ طالَبَكم أحد بأكثر وأفضل، واستنقص عطاءكم، فلا تَنزلقوا في المجادلة والمدافَعة، وقولوا له: «صدقتَ، وما نأمل لك ولنا ولغيرنا أكبر وأعظم، وهذه رؤيتنا المستقبليَّة المرجوَّة، وسوف نفيد من جهدك فكرًا ومشاركة»، ولعلَّ هذا ممَّا يزيد صلابة جيل التأسيس، ويقلِّل من تحسُّسهم وحزنهم من النَّقد والجحود.
عظيمةٌ وكبيرة المسؤوليَّة الفِكرية والنفسيَّة، والتحديات التي يضطلع بها – خصوصًا – جيلُ التأسيس لجمعيات المتقاعدين والمبادرات في خدمتهم، ومؤسِّسو كل المشاريع النافعة والرائدة، فهم سبَّاقون لغيرهم برؤيتهم المستقبليَّة ومبادرتهم، وهنالك بون شاسِع وهوَّة كبيرة يَنبغي الصبر والجلَد في تجسيرها، ومن التحدِّيات التي تواجههم العمل نحو الارتقاء بمستوى الوعي الجمعي.
ألَا فطِب نفسًا، وقرَّ عينًا يا جيل التأسيس، فهنالك من يحسُّ ببعض معاناتكم، ويثمِّن جهدَكم وتضحياتكم، ويدعوكم بكلِّ صدق أن تتحمَّلوا ما تلاقونه من تحدٍّ وجحود من البعض، فأبصاركم ليسَت مثلهم؛ فهي معلَّقة بوعود الغد القَريب، وأنتم سبَقتم كثيرا وكثيرا؛ لأنَّكم تذوَّقتم بيقينكم حلاوةَ ثمرة لم تنضج بعد؛ فاعذروا وارحموا كلَّ من شغلَته وأَلْهَته مرارة الحاضر عن عسل الوعد الحقِّ، الذي اقترب فجرُه على أيديكم.

 

 

صحيفة الشرق الالكترونية


التعليقات

التعليقات مغلقة.