بنك المتقاعدين

01 الأربعاء 2016

قالوا قديما إذا أردت أن تعرف قيمة الإنسان في مجتمعه، فانظر إلى حقوق المعلم، وقالوا حديثا إذا أردت أن تعرف قيمة الإنسان في مجتمعه، فانظر لحقوق الطفل، وأقول إذا أردت أن تعرف قيمة الإنسان في مجتمعه، فانظر لحقوق المتقاعدين.

أدبياتنا وتراثنا وثقافتنا مليئة بقيم الوفاء وأدب الوفاء، لكن ما يتعرض له المتقاعدون بيننا في مؤسساتنا وتعاملاتنا، يكشف في بعض جوانبه عن نكران لجميل هؤلاء وجحود لما قاموا به.

فإذا تقاعد المرء بيننا، انقطعت حياته إلا من ثلاث: مرض ودين ووحدة. فبعد التقاعد يسقط عنه التأمين الصحي، ويتقلص دخله إلى ما دون النصف، ويتقلص أصدقاؤه ومعارفه، وتسقط عنه عضوية الأنشطة والخدمات المصاحبة لعمله، فلا يسمح له بارتياد النادي الصحي الرياضي، ولا يسمح له بارتياد أماكن كان يرتادها ولا بزيارة أناس كانوا يلازمونه أكثر من أولاده، ويسقط عنه التأمين بأنواعه في حالة تشبه كثيرا مشهد الموت والدفن، لولا أن يبقى للمتقاعد رخصة قيادة السيارة، وجواز سفر وبطاقة هويته.

مجلس الشورى مشكورا لايزال يتذكر المتقاعدين من حين لآخر، وسط انشغاله بقضايا مهمة وإستراتيجية وحيوية مثل بيض الحبارى، فمنذ سنوات طويلة وإلى هذا الأسبوع يطرح الشورى قضية صرف علاوة غلاء معيشة فقد تكرمت إحدى لجان مجلس الشورى هذا الأسبوع بالمطالبة بإضافة مادة لأنظمة التقاعد باسم بدل غلاء معيشة لصرف علاوة سنوية تعادل نسبة التضخم السنوي في المملكة.

قضية المتقاعدين هي ليست اجتماعية فقط لكنها اقتصادية كذلك. المتقاعدون طاقة بشرية مؤهلة ومدربة هائلة ومن القصور في تفكيرنا وسوء تخطيط مؤسساتنا النظر لهؤلاء المتقاعدين على أن قضيتهم اجتماعية تنتهي بالضمان الاجتماعي والتأمين الصحي أو إضافة مادة لأنظمة التقاعد باسم بدل غلاء معيشة لصرف علاوة سنوية تعادل نسبة التضخم السنوي في المملكة.

المتقاعدون لديهم الاستعداد والقدرة على العطاء بطريقة أكثر نضجا ورجاحة للعقل وأقل اندفاعا وعاطفة وأكثر قدرة في استحضار تجارب النجاح والتعلم من الفشل.

وزارة الشؤون الاجتماعية بدأت تتحدث مؤخرا عن التحول بالمجتمع المدني من الرعوي إلى التنمية في خطوة ناضجة تصب في مشروع التحول الوطني للكثير من مقومات المجتمع، لعل في هذا التحول ما يعيد قراءة التقاعد والمتقاعدين قراءة غير تقليدية للاستفادة وطنيا من الطاقات الهائلة من المتقاعدين وإفادتهم والذين تزايدت أعدادهم ونسبتهم بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة.

لقد باءت بالفشل كثير من المحاولات الرائدة الطموحة التي رافقت بدايات تأسيس وإطلاق الجمعية الوطنية للمتقاعدين سنة 1426، إما لشح الموارد الكافية لتمكين تلك المبادرات، أو بسبب الزوبعة الإدارية التي عصفت بالجمعية، جراء تفاوت الخلفيات للقيادات الإدارية ممن أدارت دفة الأمور في الجمعية.

قلة هم الذين قرأوا ظاهرة التقاعد ببعدها النفسي الاجتماعي والاقتصادي، فآمنوا بضرورة التعامل معها ومعالجتها ليس من منظور اقتصادي بحت أو من منظور اجتماعي بحت، فبين هؤلاء القلة الذين قرأوا وفهموا وآمنوا بقيمة المتقاعدين وحقيقة التقاعد هو الشيخ علي بن محمد الجميعة، رحمه الله، مع مجموعة من الوطنيين بعضهم عمل عضوا الهيئة الاستشارية للجمعية الوطنية للمتقاعدين.

لقد مول الشيخ الجميعة دراسة تأسيس شركة التنمية والاستثمار الوطني القابضة لتغطي بفروعها مناطق المملكة ويكون المساهمون فيها هم المتقاعدون والموظفون والعمال في القطاع الحكومي والقطاع الخاص بنسبة 1 في المئة يدفعها العامل والموظف من دخله السنوي لمدة عشر سنوات والباقي يطرح للاكتتاب العام للمواطنين، وتؤسس وفقا لنظام الشركات في وزارة التجارة والصناعة كما أن من سيعمل في الشركة وفروعها هم المتقاعدون وأبناؤهم وبناتهم الذين يحتاجون للعمل. على أن يؤسس بالتزامن، الشركات التالية:

شركة عقارية مساهمة عامة، شركة صناعية مساهمة عامة، شركة خدمات طبية مساهمة عامة، شركة للتعليم الفني والتدريب المهني مساهمة عامة، شركة للنقل مساهمة عامة، شركة للاتصالات مساهمة عامة، شركة للتأمين مساهمة عامة، شركة استثمارية قانونية مالية هندسية مساهمة عامة، شركة سياحية مساهمة عامة، شركة تسويق المنتجات الزراعية مساهمة عامة.

ويكون لهذه الشركات مؤسسون ويساهم بها موظفو الدولة والقطاع الخاص بالإضافة إلى مساهمة الشركة القابضة «شركة التنمية والاستثمار الوطني القابضة».

لقد كانت دراسة طموحة بحجم الحاجة إليها وبقدر وعي الشيخ علي الجميعة وإحساسه بالمتقاعدين والموظفين بشكل عام.

لقد مضى وقت على هذه الدراسة، لكنها لم تفقد وهجها وأهميتها، بل إني أعتقد أن الظرف مؤات الآن أكثر من ذي قبل لاعتبارات بدأت تستشعرها الدولة والمجتمع، سواء للحد من البطالة أو لمكافحة الفقر أو لمكافحة الفساد، وأخيرا وهو المهم من خلال ملاءمتها وتزامنها مع برنامج التحول الوطني السعودية 2020.

لقد حان الوقت لأن يكون للمتقاعدين بنك هم من يملك أسهمه ويديره، لا يخضع لبروتوكول سمة الرأسمالي، لكنه بنك اجتماعي اقتصادي يحفظ كرامة المتقاعدين ويصون حقوقهم.

 

جريدة عكاظ


التعليقات

التعليقات مغلقة.