التوظيف والتقاعد .. حلقة مفرغة

02 الخميس 2016

مضت وتمضي الأعوام عام يلي عاما، ولا حل يخرج إلى النور يعالج الأوضاع المعيشية المعقدة التي يواجهها المتقاعدون، ملف تنموي أصاب الجميع بالإعياء بدءا من الأجهزة الحكومية ذات العلاقة، وانتهاء بمجلس الشورى الذي تنتهي نقاشاته حول هذا الملف إلى نقطة عدم الاتفاق، ومن ثم لتأجيل البت فيه! مع التأكيد أن ما أصاب الأجهزة الحكومية ومجلس الشورى من إعياء، لا يصل حتى إلى 1.0 في المائة الإعياء الذي يعانيه المتقاعدون في الوقت الراهن!

إلا أن الجديد اللافت للانتباه في ملف المتقاعدين، هو بعض الحلول المقترحة من مجلس الشورى (اللجنة الخاصة بتعديل أنظمة التقاعد المدني والتقاعد العسكري والتأمينات الاجتماعية)، وتحديدا ما ورد في توصيتها الثالثة، التي نصت على: زيادة نسبة الاستقطاع من رواتب الموظفين على رأس العمل الآن، وذلك بهدف تغطية بدل غلاء المعيشة الذي سيصرف لهم بعد التقاعد! دع عنك بقية التوصيات القديم منها والجديد طوال الأعوام الماضية، وعبر الدورات المتعاقبة لمجلس الشورى، التي أكدت النتائج المتحققة حتى تاريخه، أن أدناها هو الاصطدام في كل مرة بجدار صلب، لا مجال لتجاوزه تحت مظلة الحلول والنقاشات والمقترحات الراهنة.

لماذا تلفت الانتباه هذه التوصية (زيادة نسبة الاستقطاع من رواتب الموظفين على رأس العمل الآن)؟ وما الخطورة التي تحملها في مضمونها؟ في البداية لا بد من التذكير بأمر سبق التحذير منه، ولسنا ببعيدين عنه (ساند)، الذي اقترحته وزارة العمل والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية قبل أقل من عامين، وأن “باب” زيادة الاستقطاع من أجور العاملين لأجل معالجة قضايا أخرى لا علاقة لهم بها، “باب” إن فتح فلن يتم إغلاقه بسهولة، وأنه “باب” سيفتح أبوابا أخرى لا يعلم بنهاياتها ولا آثارها أحد من العالمين.

إن ما يزيد من حجم الأزمات والمشاكل والتحديات، أن تقوم الأجهزة المعنية بحلها ومعالجتها باتخاذ قرارات وإجراءات قد تتسم بمعضلتين، المعضلة الأولى: أن تحمل تلك الحلول والإجراءات المقترحة “ممهدات” لإيجاد مشاكل وتحديات تنموية أخرى كنا في غنى تام عنها. المعضلة الثانية: أن البحث الدقيق في صلب الحلول والإجراءات المقترحة، سيكشف لك أنها في الأغلب مجرد هروب إلى الأمام من آثار ونتائج تشوه أو قصور أو خلل كامن في أنظمة أو قرارات أو إجراءات سابقة، إما أن تلك قديمة جدا لم تلبِ متطلبات الوقت الراهن، وإما أنها سابقة بزمن قريب إلا أنها مصابة بالمعضلة الأولى المشار إليها قبل هذا الفقرة.

إن التقاط صورة شاملة لما نحن جميعا بمواجهته من تحديات جسيمة في هذا الشأن، من شأنه أن يكشف كثيرا مما خفي على الأجهزة الحكومية ذات العلاقة ومجلس الشورى، أستعرضها فيما يلي باختصار شديد. أولا: معلوم أن المتقاعدين في الوقت الراهن المقدر عددهم بنهاية 2015 بنحو 1.02 مليون متقاعد (التقاعد، التأمينات)، عاصروا أثناء فترة عملهم ظروفا معيشية أقل تحديا مما هو في الوقت الراهن خاصة الأقدمين منهم، وأنهم استطاعوا التوظف في سن مبكرة، منحتهم فرصا كبيرة للعمل أطول فترة ممكنة من العمر الوظيفي.

ثانيا: إنهم على الرغم من كل تلك الظروف المواتية (وفقا لتقرير جمعية المتقاعدين الذي تم استعراضه أخيرا أمام مجلس الشورى) انتهى مآل نحو 70 في المائة من المتقاعدين لتقاضي معاشات تقاعدية لا تزيد على ألفي ريال شهريا، وإلى أن نحو 44 في المائة منهم لا يمتلك مسكنا.

ثالثا: إن أعداد العمالة الوطنية في سوق العمل المحلية قبل عقدين، كان لا يتجاوز سقف الـ 1.0 مليون عامل سعودي، ولم تكن أعداد المتقاعدين آنذاك سقف الـ 400 ألف متقاعد! لا شك أن ظروفهم المعيشية في تلك المرحلة كانت أفضل من المرحلة الراهنة، فيما نقف جميعا في الوقت الراهن أمام وجود ما يناهز الـ 3.0 ملايين عامل من المواطنين والمواطنات في سوق العمل (حكومة، خاص)، وأمام أعلى من 1.0 مليون متقاعد، كل من الفئتين لديه تحدياته التنموية والمعيشية، التي تعد أكبر بكثير مما عاصره من سبقهم.

رابعا: اتسم توظيف العمالة الوطنية خلال الفترة الزمنية الأخيرة بعدد من التحديات التنموية، منها: (1) تأخر سن التوظيف، ما يعني تقلص الفترة الزمنية للعمل. (2) تدني مستويات الأجور الشهرية (بلغت نسبة العاملين في القطاع الخاص بأجور أدنى من ثلاثة آلاف ريال شهريا نحو 55 في المائة من الإجمالي)، وفي الوقت ذاته يعاصرون مستويات أعلى من التضخم مقارنة بمن سبقوهم، عدا التضخم الأكبر في أسعار الأراضي والمساكن بصورة أوصلت مضاعفات تملكها إلى أعلى من 30 عاما نسبة إلى مستويات أجورهم الراهنة، وهي الفترة الزمنية المستعصي تحققها بالنسبة للكثير منهم أمام تأخر سن التوظيف، دع عنك انخفاض مستويات الأجور. (3) إن أغلب العاملين المواطنين في الوقت الراهن يتحملون أعباء سداد أقساط قروض مصرفية أعلى ممن سبقوهم، ففي الوقت الذي كانت لا تتجاوز تلك القروض سقف 45 مليار ريال قبل عقدين من الزمن، تجد أنها وصلت بنهاية العام الماضي إلى نحو 438 مليار ريال (عشرة أضعاف)، وإذا تم إضافة قروض الظل المصرفي (شركات التقسيط) فسيرتفع حجم تلك القروض إلى 767.2 مليار ريال (17 ضعفا).

خامسا: إذا كانت التحديات المعيشية الراهنة التي يواجهها المتقاعدون على القدر المعلن عنه أخيرا من الصعوبة (70 في المائة منهم معاشاتهم أدنى من ألفي ريال شهريا، ونحو 44 في المائة منهم لا يمتلكون مساكنهم)، وهم الذين عاصروا ظروفا معيشية أقل تحديا من الوقت الراهن أثناء فترة عملهم، بل عاصروا فرصا أفضل على مستوى خيارات التوظيف، فما بالنا في الوقت الراهن مع العمالة الوطنية بأعدادها الراهنة، ذات المستويات الأدنى من حيث الأجور الشهرية، والفرص الوظيفية الأقل إضافة إلى العمر الوظيفي الأقصر من حيث التوظيف، والأعباء المالية الأكبر من حيث ارتفاع القروض على كاهلها إضافة إلى تآكل القوة الشرائية لدخلها نتيجة التضخم (تحديدا تضخم أسعار الأراضي والمساكن)؟

الملف التنموي هنا أكبر بكثير من مجرد كونه ملفا يتعلق بشريحة المتقاعدين، والحلول اللازمة لمواجهته أكبر أيضا من التوصيات المحدودة النظرة التي طرحها مجلس الشورى أخيرا، فلا بد من أخذه على محمل أكبر وأوسع وأعمق، والابتعاد كل البعد عن أي مقترحات للحل قد تأتي بمزيد من التحديات والأعباء التنموية، وهو ما سيمتد النقاش حوله في المقال القادم بمشيئة الله تعالى. والله ولي التوفيق.

 

 

 

جريدة الإقتصادية


التعليقات

التعليقات مغلقة.